الاثنين، أبريل 06، 2009

قليلٌ من البرد ينفع!


الحضنُ الدافئ يفقدني
والبحرُ الهائج يرمقني
يقذفُ موجاً ..
يلسعني ..

وأنا أبسُم وأحملق
يمر شريطاً..
وأحملق
يمر سريعاً
وأقطبْ
لا في الجرف ولكن ..
في الماضي
أبحر وأجدفْ
*****
***

وأسمع صوتاً بجواري
لا بل منبعثاً
من أحلامي
متسربْ

صوت ناعس داعبني
كالقمر طلع يراودني
أن مُد كفاً ..
واملكني!

ويرنو الحالُم بيديه..
والصوت في كلتا أذنيه..
(جسدي غض وجميلْ
بنتوءاتٍ وتفاصيلْ
تعالَ إليّ..
تعالَ إليّ..
وبغمزة خبثٌ (يستطردْ):
لم أستر بالتوت عُريّ
تعالَ إليّ..)
*****
***
وأمُد يدَيّ..
...
وبقذفة موجٍ..
البحر الهائج يوقظني..
يرسل موجاً ..
يلسعني ..

كالطفل يبرز لسانهْ
ليغيظ من أمامهْ
(نان نانا ناناه)..

وتفلتُ مني دمعهْ
البحر خدع جَمْعهْ
والقمر في عُليّ
ماملكت شمعة!
*****
***

وأعود بيدي لشِقيّ
والحزن أطرق عينيّ..
أأعود للحضن الدافئ؟
يا أبله مالك أنت؟!
تضحى أنت أنت..
وتمسي لهُم أنت!


اترك دفء الحضن..
فسفينته ما عادت ترضيك..
يكفي أنْ
قد أرستك على شاطئ..
والدفء الدائم يلهيك
فتنسى فيزياء النفس

لا تخش البرد يوماً..
يصبح للحلم ملمس.

الاثنين، فبراير 16، 2009

حفلة منير.. ملامح جيل بين رقصات الوطنية والحشيش

بعض من الجمهور الذي وقف عند مدخل الحفل يتحين فرصة للدخول

"التيكت بخمسين جنيه، وقوف، والحفلة الساعة عشرة" .. بطريقة ميكانيكية قالها موظف الأوبرا دون أن يرفع وجهه إليّ، أخرجت 150 جنيها وقطعت 3 تذاكر لي وصديقين..
لست من هواة الحفلات، لكني رغبت في تجريب "شيء جديد"، وشجعني صديقي .. خاصة أننا نشترك في عشق منير.. وقررنا حضور
حفلة عيد الحب.
--- فاصل---
"أنا بشكر المصرية للاتصالات أنها رعت هذا الحفل في الوقت اللي كل الرعاة مشيوا بسبب الأزمة الاقتصادية".. هكذا قال منير في وسط الحفل .. لكن لا أعرف إذا كانت تلك الأزمة الاقتصادية تستدعي رفع سعر التذكرة من 35 إلى 50 جنيها لأول مرة؟؟ لكن برغم ذلك يظل الفنان الوحيد تقريباً الذي يقدم تذاكر موحدة مخفضة لجمهوره بهذا السعر..
--- ---
عندما وصلت إلى جراج الأوبرا (مكان الحفل) أدهشني عدد الضباط والعساكر المتواجدين، وحرصهم التأكد من التيكت عدة مرات.. ذاك الحرص الذي لم يكن أكثر من قشرة سطحية كما ستعرف بعد عدة أسطر!
بعد الدخول تذكرت أني تركت الكاميرا في السيارة فعدت لأخذها..
"إيه دا رايح فين؟ الكاميرا ممنوعة!" أوقفتني الجملة على باب الحفل، نظرت للضابط في دهشة وقلت له ممنوعة ليه؟ قال: ممنوعة! فتراجعت في خيبة أمل وذهبت لأترك الكاميرا في السيارة..
عندما عدت خضت للتدقيق ثانية لكن يبدو أن ذلك التدقيق لم يحرم البعض متعتهم المتمثلة في تدخين الحشيش الذي فوجئت برائحته حينما وقفت بجوار بضع عشرات من الشباب الذين حضروا مبكرا مثلنا للوقوف بالقرب من المسرح Stage.
الأمن ترك الجميع في النهاية يدخلون بدون تذاكر
مازال متبقيا على معاد الحفل ساعتين ونصف، ومع مرور الوقت كان العدد يتزايد بإطراد. تسليت بإلإنصات لحديث الشباب من حولي، وكان أغلبه يتعلق بالفن أو الكرة فقط.
كان
صديقي محمود يحكي عن تعرض شقة جاره – البهائي الديانة – للسرقة، ويبدو أن كلمة "بهائي الديانة" ارتطمت بأذن أحدهم الذي نظر إلينا في رعب ودهشة وقال: هوا إيه البهائية دي؟ حاولت أن أشرح له، وقلت له إن الداخلية تمنعهم الحق في كتابة ديانتهم في البطاقة.. ولم يخيب الشاب ظني إذ لم يتأخر تعليقه الأحمق الذي سيصدر من أي مصري: .. أبوهم!! هوا كل واحد يصحى من النوم يخترع دين جديد!
وكأن المشكلة في الدين "الجديد" وليس في المجتمع الذي يضيق بالاعتراف بأي "آخر".
لكن يبدو أن الدين "القديم" لم يصلهم أنه يحرم الحشيش (وربما مخدرات أخرى لأني لا أميز بين روائحها)، إذ استمرت الرائحة في التصاعد بين آونة وأخرى.

--- فاصل ---
من حين لآخر تتصاعد صيحات "شلة" من الشباب تسب تامر حسني.. في حين يقول أحدهم: "يا جماعة حرام تشتموه إنتو كدا بتعملوا منه حاجة هوا أقل من إنه يتشتم".
في حين قال منير حينما كان مع تامر على خشبة المسرح في حفلة سابقة "دي مشكلة جيل مش مشكلة تامر" معلقاً على تهرب تامر من التجنيد.
أفهم ما يقوله منير، وأفهم كذلك أن تامر لا يجب أن يقارن بمنير لأن في ذلك ظلم للاثنين بسبب فارق الحجم والتاريخ، لكني لا أفهم أن يستمر السباب البذيء بدون أي مناسبة، ووسط وجود عدد من الأطفال والفتيات.. هذا إذا اعتبرنا أن السباب لايؤذي بقية الشباب!
--- ---

ولا مانع من تسلق الأشجار أيضا لمشاهدة الحفل!

عندما بلغت الساعة العاشرة كان المكان الذي يتسع لنحو 10 آلاف كرسي قد اكتظ بنحو 60 ألفاً حسب وكالة الأنباء الفرنسية. كانت بعض المجموعات تنتابها حماسة مفاجأة – بفعل الحشيش فيما يبدو – فتبدأ في التدافع.. شعرت بالرعب من الموقف الذي أتعرض له أول مرة، بالإضافة لشعور – حقيقي أو هستيري بفعل تكويني الهش – بالاختناق..
أخبرت صديقي محمود أنني سأبتعد قليلا عن مكان التدافع.. حتى وجدت متنفساً على بعض أمتار قليلة..
في الساعة الحادية عشر وبضع دقائق – كعادته – صعد منير إلى المسرح وسط تهليل الحضور.. لكن ذلك لم يهدأ من جنون البعض الذي استأنف نوبات الصرع التدافعية، شعرت بالاختناق مجدداً فقررت الابتعاد أكثر..
انتهى بي الأمر إلى الخروج من السوار المحيط بالحفل كاملاً، إذ اكتشفت أن المكان كله مليء بأمواج البشر بذات الكثافة، وليس في الأمام فقط، حيث لم أكن تخيلت بعد العدد، لأنني كنت في الصفوف الأمامية ولم يكن لدي علم بما يجري خلفي!

في النهاية أحدث الجمهور فرجات للدخول في سور الحفل

في الكافتريا حيث ذهبت لالتقاط أنفاسي وشرب شيء دافئ، كان أحد المسؤولين بالأوبرا الذين رأيتهم على البوابة قد جاء متصببا عرقا يطلب شيئاْ مثلجاً .. ويبدو أن الإنهاك قد فك لسانه، فأخذ يلعن ويسب في الحفل وقال بالحرف: "المشكلة إن هناك 8 أو 9 منافذ، وهذه المنافذ مسيطر عليها الأمن، وكل واحد بيدخل قرايبه وقرايب قرايبه ومعارفه"..
قلت له في غيظ: أنا دافع تذكرة ومع ذلك خرجت لأني حسيت إني هتخنق!
قال: إنتا كنت هتموت مش تتخنق بس!
قلت: يعني في الآخر دخلتوا الناس من غير تذاكر!
قال: هنعمل إيه بس؟ العدد كبير وكل واحد جاي مع صحابه واخواته .. الخ.
في تلك الأثناء كان منير يقول من أعلى خشبة المسرح: "أنا معاكم للصبح.. أنا مبسوط بالعدد بصراحة!"..

--- فاصل ---
حينما كنت بالداخل وقبل حضور منير، كان بعض الشباب النوبيين يغنون أغاني منير بحماسة شديدة، بينما تتعالى صيحاتهم من وقت لآخر "الصحافة فين.. النوبيين أهم".. بينما ينظر إليهم من حولهم من أصحاب البشرة الفاتحة بكراهية شديدة!
بعد قليل سمعت أشد الشباب النوبيين حماسة في الرقص يقول عبر الهاتف: "أيوة يابني.. حاول تدخل، أنا دخلت جري من غير تيكيت!" وبعد عدة دقائق كان أصدقاء ذاك الفتى يبحثون له عن "سيجارة ميريت" لأنه "دماغه عليت ومش راضي يشرب غيرها!!".
--- ---
في الخارج وبالقرب من سوار الحفل، وقفت مستمعا لمنير.. ومتفرجا في الوقت ذاته على عشرات الشباب الذين كانوا يدخلون عدواً من بوابة الأوبرا متجهين نحو الحفل..
حاولت أن أبحث عن شاشات العرض التي قرأت في الجرائد أنها ستكون موجودة، لكن لم أجد سوى الشاشة التي رأيتها في الداخل خلف المسرح.. لعنت في سري منظمي الحفل وتمنيت لهم "حرق الجتت".
قبل نهاية الحفل بنحو نصف ساعة فتحت الجماهير فرجات في سوار الحفل وترك الأمن الحبل على الغارب لم يريد أن يدخل من كل المنافذ..

داخل الحفل قرب نهايته.. الفرنسية قدرت عدد الجمهور بـ 60 ألفا ..

لا أعرف لماذا لم أستمتع بالحفل كما استمتع به آلاف غيري، ولماذا لا أكف عن الطرح السؤال: ماذا يعني كل ما سبق؟
عندما يغني منير يسكت الجميع، أو هكذا يبدو لي.. أنا أحترم مشوار الفنان محمد منير للغاية، وأظن أنه واحد من قلائل يعدون على إصبع اليد الواحدة يمكن أن يسموا (فنانين) أو (مطربين) خلال الثلاثة عقود الماضية.
عندما يغني منير – الذي تعرفت على أغانيه في سن كبيرة بسبب الغربة – تتذكر ملامح وطن، وتتذكر – كما يقول هو – واحد من محاربي الفن مثلما حارب جيله بالسلاح في 73.

لكن لا يمكن لي أن أفصل بين ماشاهدته من جمهور الحفل، وبين منير الفنان.
أعي مبدأيا أن الأمر أكبر من منير، وأن مشاكل الجيل هي أزمة وطن بأكمله، وطن تتحكم فيه أجهزة البوليس – حتى كما ظهر في التنظيم الفاشل الحفل – وأفسد كل حس ووعي.. وأؤكد أيضاً أن النماذج التي ذكرتها ليست هي كل جمهور منير، وكان هناك الكثير من الأسر والشباب المحترمين في الحفل.
لكن لا يمكن في النهاية أن أفهم المسألة بمعزل عن أزمة الفن و"الإنسان" "والفنان".
لماذا لم تغير "إيه يا بلاد ياغريبة عدوة ولا حبيبة" التي غناها منير منذ ربع قرن، وغناها في هذا الحفل، لم تغير شيئاً في نفوس مستمعيه.. بعد أكثر من ربع قرن؟ هل فقط لأن الدولة ظلت – أو ازدادت بوليسية – أم لأنه كفنان غير محسوب على السلطة لم يتخذ المواقف التي يمكن أن يتخذها شخص بحجمه ومكانته؟
وعندما يغني منير "عدى النهار" أمام جماهيره، التي كتبها الأبنودي وغناها عبد الحليم بعد نكسة 67 بينما لا يتخذ هو موقفاً سياسياً واضحاً من "النكسات" المتتالية التي تتعرض لها مصر الآن فماذا أستفيد سوى الاستمتاع بالأغنية ثم الاندماج في تروس النكبة؟
هل "قلب الوطن مجروح" لأنه محكوم بالحديد والنار والزواج الكاثوليكي بين السلطة والمال؟ ولو كان كذلك فلماذا يقول منير في
حديث صحفي سابق أنه فخور بالغناء أمام الرئيس مبارك؟

وفود بدأت تدخل عدواً بين حين وآخر من بوابة الأوبرا الخارجية

برغم اكتظاظ الحفل في الداخل وعدم وجود أماكن

برغم كل شيء يظل منير الأفضل.. وأحد معالم الأغنية الوطنية حديثاً .. لكن الوطنية التي رأيتها في الحفل ليست سوى كلمات يرقصون عليها.. سواء لأنهم مخدرون بفعل "الحشيش"، أو مغيبون بفعل عصى البوليس..
لست من أنصار اليوتوبيا ولا أؤمن بالنماذج الكاملة.. لكن ما أطلبه من الفنان ليس الكمال ولكن السعي نحوه.. كلمة منك إلى هؤلاء ستغير الكثير.. وحتى تقولها سأظل أتساءل:
ليه تسكت زمن يامنير؟
-----------------------------
ملاحظة: خلال البحث على الإنترنت
وجدت تجربة مماثلة كتبها أحد محبي منير في منتدى قلعة الكويت، تعليقا على حفلة العام الماضي.

الأحد، يناير 18، 2009

عندما تصبح أم الجامعات ملاذاً للرقص


(فيديو لطلبة يرقصون في جامعة القاهرة)! لو استخدمت العنوان السابق لاندرج تحت مدرسة صحافة "روزاليوسف" بامتياز، فهو عنوان ساخن موجه، يخاطب الرؤوس السفلية للجماهير، ولا يبحث عن أي معناً آخر سوى تحقيق المزيد من المشاهدات والقراءات، ويمكن أن تعتبره كذلك في حالتي أيضاً ولا مانع في سياق الهبل والعك الصحفي المنتشر اليومين دول في الصحف "القومية". هوا حُرم علينا ولا إيه؟!
لكني استسمحك عذراً إذا لم تجد فيما أكتبه فيما يلي ما يخاطب رأسك السفلية، بل ربما يصدع رأسك فيما لا طائل ورائه من وجهة نظر الكثيرين المعروفة مسبقاً.

في يوم 11 يناير 2009 أنهى طلبة بكالوريوس كلية طب قصر العيني آخر امتحاناتهم الشفهية والعملية، متوجين بذلك مارثون لعين ومستفز من الامتحانات اللا آدمية ابتدأ منذ 22 نوفمبر 2008، والألعن أنهم أنهو عامهم (الدوام) الدراسي في منتصف يوليو2008، وهم مضطرون مذ ذلك الحين للجلوس في المنزل خلف المكاتب أو فوقها أو تحتها، لكي يتمكنوا من مراجعة وحفظ واستذكار ما درسوه طوال عام كامل بدأ في منتصف سبتمبر 2007.
بمعنى آخر أوضح لمن لا يعرف نظام بكالوريوس الطب في مصر، يمتد (العام) الدراسي لمدة 15 شهراً متتالياً، وليس 8 أو 9 أشهر كما هو المعتاد في بقية السنوات، إذ يبدأ الطلاب الدراسة مع البداية العادية لبقية السنوات والكليات، لكنهم لا ينتهون في الصيف التالي، وإنما يستمرون في الدراسة، ثم يدخلون بياتهم الصيفي والخريفي لمراجعة واستذكار ما درسوه وتستمر فترة "الاعتكاف الدراسي" شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وديسمبر وبداية يناير.
أي أن الطلبة يمتحنون رسميا من 22 نوفمبر 2008 حتى 11 يناير 2009 ولكنهم يمتحنون فعليا منذ منتصف يوليو 2008 حتى 11 يناير، أي ما يقارب خمسة أشهر أو يزيد، وهو ضغط نفسي يفوق الوصف.

اعتاد الطلبة في كل عام أن يحتفلوا في يوم انتهاء الامتحانات – بدون انتظار النتيجة نظراً للكبت الذي شرحته أعلاه – وتشمل مظاهر الاحتفال التصوير وتعليق البالونات وبعض المظاهر الأخرى التي تتفاوت من عام لآخر، بحسب الظروف.
في ذلك اليوم 11 يناير شهدت باحة كلية الطب أحداث تستأهل الوقفة، لم يقتصر الأمر على التصوير والبالونات وإنما اصطحب عدد من الطلبة (قلل) لكسرها في باحة الكلية، في حين اشترك عدد من دكاترة المستقبل في شراء زير كبير
وقاموا بتهشميه وسط تصفيق وتصفير حاد من الطلبة والطالبات، انتقلوا بعدها إلى فاصل من الرقص على وقع "الصاجات" والدفوف، واستمر كل ذلك مايزيد عن 3 ساعات.
لم يقتصر الأمر على ماسبق، وإنما حصل بعض الطلبة مسبقاً على إذن من إدارة الكلية بإدخال سماعات (دي جيه) إلى الكلية، وانتقل احتفالهم إلى ملعب الكلية، اصطخب الملعب بالغناء وتحطيم القلل والرقص، الذي اقتصر في معظم الوقت على الطلبة الذكور، لكني سمعت أن حمى هز الأرداف انتقلت إلى الطلبة من الإناث، كلٌ وسط شلته. (للإنصاف أيضاً فإن الذين شاركوا بالتطبيل والرقص كانوا أقلية من الحضور).
ملاحظة: (انصرفت من الكلية مبكراً ذلك اليوم ولم أشارك في هذا الاحتفال بسبب ظروف خاصة يومها، ولكني عاينت ما حدث عن طريق الصور
والفيديو المتاحة على الإنترنت) ملاحظة ثانية: (ما حدث لم يكن فريداً من نوعه في المضمون ولكن كان يحدث مثله في الأعوام السابقة مع اختلاف التفاصيل، عرفت ذلك من خلال أصدقائي الأكبر ومن خلال البحث على موقع اليوتيوب أيضاً).
قد يبدو ما حدث للوهلة الأولى تعبير بريء عن سعادة الطلاب بتخرجهم، وانزياح العبء النفسي الثقيل عن أكتافهم، لكن في الواقع فإن ما حدث جريمة من عدة نواح: الناحية الأولى علمية، حين لم يراع الطلاب قدسية المكان الذي تلقو فيه العلم، والذي لا يجب أن يتحول تحت أي ظرف إلى باحة للهرج والرقص. والناحية الثانية أدبية: إذ أن فيما حدث تجاوز للحد المعقول للاحتفال العلمي وآدابه، ومن ناحية ثالثة فهو لم يراع المناخ العام، إذ حينما كانوا يرقصون على ضرب "الصاجات" كان الشهداء في غزة يتساقطون على ضرب القنابل.
لكن قبل أن ترتفع النعرات التي تتهم (هذا الجيل) بالإسفاف والتفاهة واللامبالاة.. الخ، يجب أن أوضح عدة أمور:

1- من الخطأ تحميل الطلبة الوزر وحدهم، بل هم في رأيي يتحملون أقل الوزر، ليس لأني زميل لهم في الدفعة، وليس لأن معظم الذي شاهدتهم في الصور والفيديو هم من الطلبة المحترمين فعلا الذي عرفت أخلاقهم الطيبة خلال ست سنوات في الكلية، ولكن للدوافع التالية:

2- قبل ذلك الاحتفال
اشتبكت في حوار على منتدى طلابي على الإنترنت، دعا فيه بعض الطلبة إلى إيقاف مظاهر الاحتفال تضامنا مع الأشقاء في غزة.. وحينها قلت إنه لا داعي لإلغاء مظاهر الاحتفال وليس من حق أحد مصادرة حق الطلبة في الاحتفال مع الأخذ في الاعتبار إن الاعتدال والترشيد هو الأصل، ويصبح ترشيد مظاهر الاحتفال لزاما أكثر مع الوضع في غزة.. واقترحت كذلك أن يتم استغلال تجمهر الطلبة لجمع تبرعات مالية لأهالي القطاع، لكن البعض أوضح أن إدارة الكلية رفضت طلباً مماثلاً قدمته إحدى الطالبات. (لاحظ إن نفس الإدارة سمحت بإدخال دي جيه إلى حرم الجامعة!).

3- هاجمني بعض الطلاب في ذلك المنتدى (معظمهم من خلفية إسلامية) بعد كلامي السابق، في حين اعتبرت أن انسحابهم من الحفل هو مسلك هروبي يتنصل من المسؤولية، وقلت إن حضور الطلبة الملتزمين لهذا الحفل سيكون مناسبة لاحتذاء بقية الطلبة بهم وتقليدهم.

4- انهمك هؤلاء الإسلاميون في الحديث عن "التجاوزات الشرعية"، واعتبروا أن استخدام الأغاني و"الاختلاط" بين الطلبة والطالبات، من المحرمات الكبيرة، وإنه لايمكن لهم المشاركة في هكذا احتفال (مع إنهم يدرسون طوال ست سنوات مع ذات الطالبات!)، وإذ انصبت أفكارهم بذاك الاتجاه، فإنهم لم يشغلوا رؤوسهم بفكرة حرمة باحة الجامعة، ناهيك عن التفكير في إخراج الحفل بصورة تسعد الطلاب وتليق بمقام المهنة. وعندما انتهى الحفل، لم يدينوا الأمر إلا من الزاوية الدينية الضيقة التي يختلف معهم فيها أغلبية الطلبة مسلمون ومسيحيون.

5- عندما توافق إدارة الكلية على إدخال (دي جيه) لحرم الكلية، بينما ترفض ذات الإدارة طلباً بالسماح بجمع التبرعات لغزة، وحينما لا يوقف ضباط حرس الكلية الطلاب الذي دخلوا بالقلل والزير، بينما يفتشون في حقائب الرايح والجاي على المنشورات الطلابية ويقومون بمصادرتها.. يمكن لنا أن نقول إن إدارة الكلية – وبكل أسف – شاركت فيما جرى وتتحمل المسؤولية الأدبية والقانونية أيضاً.

6- تقيم إدارة الكلية حفل تخريج رسمي بعد انتهاء سنة الامتياز، وهذا جميل، لكنك ستعزف عن المشاركة في هذا الحفل فوراً عندما تعرف أن تكاليف الاشتراك فيه تصل لعدة مئات من الجنيهات، وإنه يقتصر في الأغلب على كلمات تقليدية رنانة للسادة عميد ووكيل الكلية. مع التقاط بعض الصور. وكان الأولى لإدارة الكلية أن تفتح ذلك الحفل بالمجان للحضور (أو بمبلغ رمزي)، وأن تدعو له أكبر عدد من الأساتذة ليتم الحفل في جو اجتماعي دافئ، بدلاً من ذلك الجو الرسمي الكئيب.

7- لم نسمع – في حد علمي - من أحد من الأساتذة رغبته في مشاركة الطلبة احتفالهم، وفي ذلك استمرار لغياب الدور التربوي للأستاذ الجامعي الذي بات يلهث وراء تحصيل لقمة عيش أولاده.

8- لا يمكن أيضاً تفسير ما حدث دون التطرق لنظام التعليم الذين نخضع له، لكن لأن ليس هذا مقامه فيكفي هنا أن أشير لعدة أمور بتعريج سريع:
أولا: نظام الامتحانات قمة في العقم، يعتمد على (استفراغ) ماحوته أحشائك من معلومات طوال العام (اضطرت الكلية تحت ضغوط دولية لتحديث ذلك النظام وادخال كمية أكبر من الدرجات على أسئلة الاختيار والفهم).
ثانيا: امتحانات الشفهي والعملي يحدث فيها مهازل يعرفها القاصي والداني، وحجم المجاملات التي تحدث لأولاد الأساتذة وأقاربهم وكل من له (ظهر) تتجاوز المعقول. ولن أبالغ إذا قلت إن الفساد دخل الجامعة من باب كلية الطب.
ثالثا: يدفع الطالب في سنة البكالريوس مايقارب من 10 آلاف جنيها في الدروس الخصوصية، تتوزع بين أستاذ الجراحة الذي يأخذ 4 آلاف عن الطالب الواحد، وأستاذ الباطنة الذي يأخذ مبلغ مماثل، ثم الدروس العملية وغيرها، وإذا لم يكن أبوك أحد ملاك الآلاف، فيمكنك الاكتفاء بدرس مع أحد صغار المدرسين الذين تكون دروسهم في حدود ربع الثمن.

كل ماسبق يمثل عبئاً نفسيا مضافاً على الطلاب، بجوار صعوبة الدراسة الطبية وطولها المعروف، وهو مايجعل الطلاب بحق في حالة يرثى لها بعد 15 شهراً من الدراسة.

أضف إلى ذلك انتقال الدور الوطني والمجتمعي للجامعة إلى رحمة الله منذ عهد عبد الناصر، وأصبح صاحب أي نشاط من الطلبة والأساتذة يتعرض لحجم من المضايقات، ليس هنا باب التطرق لها، على النحو الذي حول الساحة الأكاديمية إلى معركة أخرى بين أجهزة الأمن والنشطاء الذين يحاولون ممارسة حقهم في النشاط. مما أدى إلى عزوف معظم الطلبة والأساتذة في النهاية عن ذلك كله (إيثاراً للسلامة).. ناهيك عن حالة الاستقطاب العام – التي لا تستثنى منها الجامعة – بين النظام من جانب وجماعة الإخوان من جانب آخر، والتي ساهمت بدورها في قتل كل التموجات الفكرية داخل الحركة الطلابية بخلاف الخصمين السابقين.

ما أريد أن أخلص إليه هو إنه بين انعزالية من يصفون أنفسهم بالإسلاميين وغياب التيارات الفكرية الأخرى من جانب، ومن جانب آخر تقاعس الإدارة عن تأدية دورها الأبوي والتربوي في تقديم القدوة والإرشاد للطلاب.. حدث ما حدث.. والذي لا يمكن تفسيره بأن الجيل (ممنوش فايدة، وضايع). بدليل أن عددا كبيرا من الطلبة رفض ما حدث وربما لم يشارك فيه، ولأنه لم تتح له فرصة حقيقية لإظهار جديته العلمية والوطنية، إن لم يكن تعرض للعراقيل.

الاثنين، يناير 12، 2009

مكتب الجزيرة في مصر .. صح النوم!!

تسطر قناة الجزيرة هذه الأيام صفحات جديدة من التاريخ العربي، لا بمداد القلم كما اعتاد التاريخ أن يدون، وإنما بالصورة الناطقة كما اعتادت هي أن تدونه، في عصر احتلت فيه الصورة المكانة الأولى ربما فوق المدفع والقنبلة. وما تفعله قناة الجزيرة هذه الأيام في تغطيتها للحرب على غزة، يعزز ويكرس للدور الكبير الذي سجله ويسجله وسيسجله الباحثون والمؤرخون لهذه القناة في تغيير الوعي العربي، وكسر صخرة الجمود التي صنعتها الأنظمة السلطوية على مدار نصف قرن ومنذ أن دخل التلفاز الأرض العربية.

دور الجزيرة فاعل ومؤثر، سواء كنت مادحا أو حاقدا أو ناقما أو مراقبا، وسوف تذكر في التاريخ الحديث للعالم كأحد أهم مداخل الفهم لأسباب المتغيرات التي طرأت وتطرأ على الشارع العربي. وهو ماحدى بمؤرخ ومثقف في وزن الأستاذ محمد حسنين هيكل
لكي يشير إلى "دورها التعبوي الممتاز" في الحرب الأخيرة، في حين أشار لدورها واحد من أهم الكتاب العرب وهو الأستاذ فهمي هويدي في أكثر من مقال له في جريدة الدستور المصرية.

وهي تثبت أيضاً – في رأيي – نهاية زمن الإعلام الأيدولوجي الموجه، وأن الإعلام المستقل يمكن أن يلعب دوراً أكثر خطورة وأقوى تأثيراً من الإعلام الأيدولوجي والحزبي.. وإن الإعلام المقاوم ليس بالضرورة أيدولوجياً أو حزبيا.. لكن ليس هذا هو موضوعنا الآن.

برغم كل ماسبق، لم أملك نفسي - كمصري وعربي وكمحب للجزيرة ومتابع لها - إلا أن أشتعل سخطاً منذ عدة أيام بسبب تغطية مكتب القاهرة الباهتة للتظاهرات والفعاليات الشعبية في مصر المتضامنة مع غزة.
وتبدو تلك التغطية أكثر هزالة إذا ما قورنت بنشاط مكاتب أخرى للقناة في إسرائيل ذاتها (رغم تضيقات جنود الاحتلال وحالة الطوارئ التي فرضها العسكر) وعواصم عربية صغيرة مثل عمان وصنعاء أو حتى اسطنبول خارج القطر العربي، ناهيك عن نشاط الزملاء المستمر داخل غزة نفسها.

المكتب الذي أخفق في ملاحقة الغضب الشعبي بكاميراته، تبدو له مبررات خاصة معروفة ومفهومة للعاملين في الوسط الإعلامي المصري.. فمصر دوناً عن بقية الدول العربية لها وضع أمني خاص، ويزداد خصوصية الآن، في ظل تعقدات الأوضاع ودخول الدولة المصرية كطرف في التجذابات السياسة الحادة المندلعة بالمنطقة.
يتعامل الأمن المصري بعنف شديد ودون أية لياقة حتى مع المراسلين الأجانب .. والقاعدة ترسخت منذ انتخابات مجلس الشعب الأخيرة وانتفاضة القضاة حين أدرك الصحفيون أنه ليست لهم أية حصانة ميدانية عندما يغضب النظام المصري، (وهي حصانة توهمها بعض الصحفيين أمام سطوة العدسات المسلطة)، لكن القاعدة التي جدت حينها هي أن النظام لم يعد يخجل حتى من أن يظهر جنوده على الشاشات وأمام العدسات وهم يضربون الصحفيين أو يكسرون كاميراتهم ويسحقونها بالأقدام. وهو ما وجد صداً لدى الصحفيين الذين باتوا أكثر حذراً وحرصاً على "سلامتهم" الشخصية، وسلامة الكاميرات باهظة الثمن التي بحوزتهم. والكلام السابق ينطبق على معظم الصحفيين دون تخصيص.

ومن ناحية أخرى يبرز مبرر آخر وهو أنه لا يوجد مراسلون بالعدد الكافي الذي تطلبه تغطية دولة مثل مصر وهذا خطأ غير مفهوم من إدارة القناة نفسها، ربما نابع من ضغوط أمنية أيضا، فمصر الدولة العربية الكبرى، وصاحبة الرأي العام الأكثر تفاعلاً، والتموجات السياسة الأكثر اضطراما في الآونة الأخيرة.. لا تحظى بنصف عدد مراسلي الجزيرة في غزة التي تمثل (360 كيلو متر مربع) .. وفي حين يطل نصف ضيوف برامج الجزيرة من شاشة القاهرة، وتنطلق معظم التفاعلات الدبلوماسية والسياسية من أروقة الحكم في مصر، فإن النقص في مكتب الجزيرة ازداد أثراً حينما رحل أحد المراسلين الأكفاء (عمرو الكحكي) إلى الجزيرة الإنجليزية.

لكن كل ذلك لا يبرر أن تظهر التغطية هزيلة إلى هذا الحد .. معظم الأخبار عن مصر تظهر في النيوز بار أو في النشرة بدون أي صور، وحينما تجيء فإنها تجيء متأخرة عدة ساعات على عكس التظاهرات في بقية العواصم العربية التي تبث مباشرة في الأغلب.
ومنذ اندلاع الحرب (بعد مضي 14 يوماً) لم يظهر سوى 3 أو 4 تقارير من مصر، وكانت هناك تظاهرات واشتباكات كبيرة لم يغطها مكتب الجزيرة.. وحين كان عشرات الآلاف من طلاب جامعة القاهرة وجامعات أخرى يشتعلون غضبا في تظاهرات حاشدة، كانت الجزيرة تبث مسيرة ل 500 طالب بجامعة قطر، التي ربما لا يبلغ عدد طلابها مجتمعين نصف عدد طلاب فصل دراسي واحد في كلية واحدة بجامعة القاهرة.
وفي اشتباكات مسجد الفتح بميدان رمسيس اكتفت الجزيرة باتصالات هاتفية مع بعض القيادات الحزبية هناك ولم تتعامل مع الخبر بحجمه فيما أعلم.

أعرف حجم الضغوط والأعباء الملقاة على عاتق العاملين في مكتب القاهرة، وحجم المهمة التي يضطلعون بها برغم ضآلة حجم المكتب والعاملين فيه.. لكني أعرف أيضا أن عيون المواطنين العرب الآن لا تتابع سوى الجزيرة وأنهم ينتظرون من رجالها في كل مكان أن يتخطوا كل العراقيل، ويبذلوا مزيداً من الجهد. وأعرف أيضا أن مكتب الجزيرة يتلقى – بحكم شهرته – إخطاراً مسبقا بكل الفعاليات الشعبية والسياسية في البلاد، بل ويتطوع العشرات من المكاتب الإعلامية للأحزاب والصحفيين الهواة إلى إعطائه نسخاً مجانية من صور التظاهرات وأشرطة الفيديو للفعاليات خاصة في المحافظات التي لا يتمكن المكتب من بلوغها. صحيح أن معظم تلك الأشرطة تكون رديئة الجودة وغير صالحة للنشر بمعايير البث الاحترافية، لكن هذا أيضا ليس مبرراً.

بقي أن أشير إلى أنه في حوار أجريته عام 2006 مع الأستاذ وضاح خنفر مدير عام القناة سألته عن عمليات توسعة مكتب القاهرة المخطط لها منذ عدة أعوام وأجاب أنها قيد التجهيز، ولم يحدث شيء حتى الآن (يناير 2009)، وفي حوار آخر مع الأستاذ أيمن جاب الله نائب رئيس تحرير القناة، في نهاية 2007 أجاب بدبلوماسية عن سؤالي حول تقصير مكتب القاهرة في نقل الأحداث، واعترف بالعبء الشديد على المكتب وحاجته لزيادة المراسلين.

لا أتابع القناة طوال اليوم، وإن كنت أزعم أني أتابع تغطيتها للحرب بكثافة (عدة ساعات في اليوم)، بالإضافة إلى إطلاعي على أرشيف التقارير في موقع الجزيرة نت وعلى اليوتيوب، لكن برغم كل ذلك ربما تكون أحكامي السابقة نابعة من قصور الإطلاع، وإدارة القناة ولجنة المتابعة وتقييم الجودة بها أقدر على الحكم على ما يبث في شاشتها طوال 24 ساعة، لكني لا أبالغ أبداً حين أقول إن موقفي السابق لا يعبر عن رأيي كفرد صغير، ومحدود الخبرة، بقدر ما يعبر عن شريحة واسعة جداً من أصدقائي والصحفيين العاملين في العديد من المؤسسات الصحفية في مصر.

والمشكلة الأهم التي ينبغي إدراكها، أن التقصير في نقل مشاعر وغضب المصريين ربما يظهر المصريين وكأنهم في خانة حكومتهم، وأنهم يحتلون نفس موقفها، خاصة بالنسبة للمشاهدين من العرب الذين لا يطلعون على الأحداث اليومية في مصر ولا تصلهم صحف مصر المستقلة. وتمثل الجزيرة نافذتهم الأساسية على الأحداث في مصر.

في النهاية أرجو أن يفرق الجميع بين محاولات الهدم والتشويه ، ومحاولات النقد للتصويب واوتصحيح المسار.. وألا يأخذ أحد الكلام السابق على محمل شخصي.. فكلنا في خندق حد.

الاثنين، ديسمبر 29، 2008

معتدلون


"نحن نتفهم العدوان ونحمل حركة حماس المسؤولية، وعليكم أيضا أن تتفهموا اضطرارنا للإدانة.. قد نطالبكم بوقف إطلاق النار، ولكن لا تأخذوا مطلبنا بجدية، ولكن حاولوا أن تنهوا الموضوع بسرعة وإلا فسنضطر إلى مطالبتكم بجدية".
القادة العرب يحدثون إسرائيل..

انتهى!

الاثنين، ديسمبر 08، 2008

آخر أعياد التلميذ!


شعرت بكثير من الامتنان الذي غمرني بكساء من الطمأنينة والسعادة مع كل تلك الرسائل والمكالمات الهاتفية والإلكترونية التي تلقيتها من أصدقائي وصديقاتي في داخل مصر وخارجها في عيد ميلادي.
والطريف أن عيد ميلادي كان في نفس يوم امتحان الجراحة، ولحقه بيومين انتهاء امتحانات النظري .. وحين عدت إلى المنزل وجدت أمي وأختي الصغيرة قد أعدا لي حفلة صغيرة وزينا الغرفة بعدة بالونات..

اختلط شعوري بالسعادة مع شعوري بالخجل تجاه أصدقائي لتقصيري في حقهم، مع شعوري بالإنهاك الشديد والتعب الذي كان كأنما لا ينفد.. بالإضافة إلى شعوري بالهِرَم.. فقد كنت أتخيل دائما أنني سأحقق نصف أحلامي قبل بلوغ الخامسة والعشرين، وأبقى النصف الآخر أتفرج عليها.. فإذا بي أبلغ الرابعة والعشرين وأنا مازلت "تلموذاً" على رأي
بسمة.

كانت الامتحانات فترة عصيبة، ومشحونة كما لم أعهدها من قبل أبداً، واعترتني أحاسيس متفاوتة تتنوع ما بين شعور عود قصب جاف يلوكه صعيدي نهِم أو خرقة بالية في يد وليّة مفترية أو ربما أنني في مسرحية هزلية أمثل دور خشبة المسرح .. أو أي شيء من هذا القبيل .. لكن الحمد لله انتهى كل شيء وتركني صلداً لا أقدر على شيء سوى النوم والخروج لمدة ثلاث أيام متتالية.

في اليوم الأخير وأثناء ذهابي للمنزل يسألني أحدهم: هوا العيد امتى؟ قلت له: عرفة يوم الأحد لكن معرفش الوقفة امتى! انهمك صديقي في الضحك، لم أتخيل أن تؤثر الامتحانات بهذا الشكل..

في يوم عودتي من الامتحانات ولجت إلى الإنترنت لأتصفح بريدي والأخبار، وكأنما أبعث من قبري .. كل تلك الأخبار حدثت ولم أدر عنها شيئاً؟ انهمكت في التصفح والحديث مع أصدقائي وصديقاتي الذين لم ألقهم من زمن.. حتى نمت عند الفجر.

في اليوم التالي لانتهاء الامتحانات كنت أخطط لحضور حفلة محمد منير في أكاديمية أخبار اليوم، لكن أصدقائي لم يرغبوا في ذلك، لذلك قررت ببلاهة شديدة – ربما بدافع من لوثة ما بعد الامتحانات – أن أدخل معهم فيلم Madagascar II الذي لم يعجبني كثيراً ..
في اليوم التالي ذهبت مع أصدقائي إلى فيلم body of lies الذي أعجبني كثيراً وربما أكتب عنه لاحقا
وفي يوم الوقفة ذهبت مع صديقي هشام إلى مكتبة الشروق وعمر بوك ستورز والديوان واشتريت عددا من الروايات منها "اسمي أحمر" لأورهان باموك و"العطر" لباتريك زوسكاند و"بداية ونهاية" لمحفوظ و"ذات" لصنع الله إبراهيم وعدة كتب أخرى منها "الحق في التعبير" لسليم العوا "وتفسير القرآن بين القدامى والمحدثين" لجمال البنا.

منذ أنهيت الامتحانات وبدأ شعور آخر يحل تدريجيا محل التوتر وهو شعور بالحنق والاكتئاب الذي يمكن أن يكون اكتئاب ما بعد التخرج Post graduation depression لكنه جاء مبكراً .. وكذلك قلقي بصدد امتحانات العملي التي لازلت لا أفقه عنها حرفاً بعد.
في كل امتحان عملي تستطيل أذناي وأشعر أن ثمة شيء ما خطأ ، ما الذي أتى بي ها هنا؟

يلا ربنا يستر!
--------------------------------------
* الصورة من تصميم صديقي المبدع أحمد عاشور، وهي تناسب حجم معدتي فعلا! والصورة الثانية بعد المعركة .. للذكرى!
* شكر حار لكل أصدقائي وصديقاتي الذين اهتموا بالسؤال والدعاء والتواصل. خاصة
فداء المدهون وبسمة المهدي وهنادي القواسمي وهشام عزت ومحمد إسماعيل وأحمد عاشور.
ومن أساتذتي
د. أحمد عبد الله ودكتور عمرو الشوبكي ودكتور وائل أبو هندي.

شمسُ مدينة..


هدية العرب إلى غزة هذا العيد: نفاد الوقود من محطة الكهرباء

وهديتي إليها .. مجرد كلمات.. لا تشفع لي.
--------------------------------------

غزة.. غزة..

يا أرضاً تتلألأ

يا بسمة نصر لا تطفأ

يا حبٌ قدري

يا عشق أزلي

يا أقدم من ورق البردي

*****
أصغِ إلي:
اعرفي أن أحلى ما فيك ناسك
وأطيب ما في جوفك قلوبهم
وما كنت غزة إلا بهم
وإن ضقت عليهم
ففي أحضاننا سكن لهم
******
يا غزة .. أصغِ إليّ:
حمقى من حاصروك
حمقى من ظنوا أن التاريخ ينسى
أو إن الليل يدوم
التاريخ لا ينسى .. والليل يزول
فالشمس طلعت من هنا
الشمس خلقت هاهنا
في قلوب ناسك ..
حين عمّ الكون ظلام سرمدي
وبرد .. وخوف ..
وحين صار لحم البشر طعاما للبشر
عرفتِ أنت معنى النور ..
والدفء..
من قلوب ناسك
*****
يا غزة .. اصغِ إليّ:
في عتمة ليلك..
تهدر أمواج شطآنك
في قلوب ناسك..
وفي صمت فجرك..
حين تحسد الملائكة عيون أطفالك الناعسة
يتردد رجع التكبير
في قلوب ناسك
*****
يا غزة .. أصغِ إليّ:
حين عمّ الكون ظلام الظلم..
ظلام الحقد..
وحين طال اليأس منا روح الأمل..
تدفق الضوء مصابيح
من عيون ناسك..
وتدفق الأمل ينابيع
من قلوب ناسك..
******
فيا غزة .. أصغِ إليّ:
إن أحلى ما فيك ناسك
وأطيب ما في جوفك قلوبهم
فالشمس طلعت من هنا
الشمس خلقت هاهنا
وما لدينا سوى القمر.
فهل حكى التاريخ يوماً
إن الشمس تستجدي ضوءًا من قمر؟!