طرقعة كيبورد
وحُبي لكِ لا يَتغذى على حُبِكِ إيايْ، كَنّبْتٍ صَحرَاوي يَرعى مِنْ حيث يُظن به الموت.. ع.م
الثلاثاء، أبريل 10، 2012
عن الكاكي والمتكاكي!
عمرو مجدي
(على جثتي لو سلمنا البلد للإخوان المسلمين) ..صاحب هذه الجملة هو اللواء الفنجري عضو المجلس العسكري الحاكم في مصر، والمصدر هو مقال للسيد إبراهيم عيسى في صحيفة التحرير في 2 أبريل 2012.
*****
بُعيد إعلان مشايخ مجلس شورى الإخوان عن ترشيح الشاطر في سباق انتخابات الرئاسة، بلغت أصوات ولولة البعض المحيط الهادي، ورغم أن أغلب هؤلاء المولولين يمتلكون من الأموال والعلاقات ما يكفيهم للعيش في إحدى جزر المحيط الهادي الفخمة لو تحولت مصر إلى إيران جديدة، تاركين بقية الشعب يكابد في مفرمة الفاشية الدينية، إلا أنهم أكثر المحرضين فجاجة على الانقلاب العسكري على الديموقراطية التي أتت بأغلبية إسلامية إلى البرلمان.
على سبيل المثال لا الحصر، يقول أحدهم واصفا الانتخابات التشريعية (أننا بصراحة لا نعتبرها لا انتخابات ديمقراطية ولا عادلة، وأنه لا يمكن أن تكون هناك انتخابات عادلة فى وجود حزب دينى).. إوعى وشك يعني!
يقول آخر في المصري اليوم بصوت ممتلئ بالحنيّة في (النداء على الجيش) : (الإصلاح له سبل كثيرة. لم يفت وقته بعد. بإمكان الجيش أن ينصت إلى ما يتلقى من ردود أفعال مختلفة(.
ومن الواضح أن الأول لم يطلع يوما ما على الانتخابات الأمريكية ولم يرَ حجم تداخل الدين فيها، ولا سيطرة الدين على خطاب المرشحين لاستجداء الناخبين، تماما مثلما يحدث في مصر. ومن الواضح كذلك أن الثاني لم يكن في كوكبنا حينما انقلب عسكر الجزائر على الديموقراطية الوليدة في 1990 لتدخل البلاد بعد ذلك في أتون حرب لم تجف دماء ضحاياها حتى الآن.
ورغم أن الفجاجة في استجداء تدخل عسكري مباشر تراوحت بين المطالب بفرض مشروع الدستور الجديد على الجميع، وبين الانقلاب الكامل على الديموقراطية بحل البرلمان والعودة للمربع الصفر.. إلا أنها تبقى واحدة في جوهرها، وهي استعداء العسكر على الديموقراطية، كأن ذلك هو الحل لتجنب فاشية دينية محتملة، أو تقوية التيار "المدني" عن طريق تسليحه بالبيادة وبعض الرشاشات لا بأس!
****
الكاكي كلمة معروفة يرمز بها للعسكر وهو أيضا اللون الذي حكم مصر 60 عاماً..
أما المتكاكي (في المعجم السياسي: هو المتشبه من المدنيين بالكاكي رغم أنه لم يتخرج في الكلية الحربية)
****
لو قرأ أحد "الكبار" هذا المقال سيتراوح رد فعله بين عدة أمور، من بينها أن يلقن صاحبه دروساً في الأدب والتأدب حين نقد مقالات "الكبار" مما لا يختلف كثيراً عن الخصوم الذين يكرههم من مشايخ السلفيين في "تأديب" تلاميذهم حين يحاول أحدهم استخدام عقله لنقد ما يقوله الشيخ. أما رد الفعل الآخر فهو استعراض "البطولات" التي قام بها ضد دكتاتورية مبارك، وتقديم فاصل ملحمي من تاريخه النضالي، كأن الأعمال ليست بالخواتيم، وكأن العبرة ليست بالاتساق مع المبادئ وإنما بالتزحلق عبر الحلزونات.. والزحلقة شطارة برضه.
لا شك أن كثيراً من المشاكل التي تعانيها مصر الآن ولاتزال تتهدد الثورة كانت ستجد حلاً لو أن عسكر مصر مثل عسكر تونس، ولو كان إسلاميو مصر مثل حزب النهضة الإخوانجي في تونس.. رغم أن إسلاميو تونس أيضا ليسو ملائكة، ورغم أن هناك الكثير من المتغيرات التي تهدد وجه الحياة في تونس لكن التيار المدني في تونس أقوى من مصر كثيراً في نقاباته العمالية واتحاداته الطلابية وأحزابه السياسية التي ليست كلها أحزابا كارتونية كمصر، وليست كلها تعتمد بناً أبوية تسلطية كالتي يمثل رفعت السعيد والبدوي نموذجا لها، وفي ظني أن التوانسة سيجدون طريقهم للخروج من أزماتهم أسرع كثيراً من مصر.
هل الإخوان المسلمون يكذبون وينقضون العهود؟ رأينا وجها من الإجابة على هذا السؤال بنعم في تصرفاتهم الأخيرة، لكن هل الإخوان المسلمون مستبدون ويسرقون ويختلسون؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي يحتاج الشعب أن يراها حينما يصل الإخوان إلى الحكم فيلفظهم وينتخب غيرهم.
ما يفتقر إليه (المتكاكون) هو الإيمان بقدرة الثورة على استكمال ذاتها عن طريق ذات الطليعة الثورية التي ناضلت وسُحلت وسجنت أيام مبارك، ثم ناضلت وسُحلت وسجنت أيام العسكر الانتقالية – حتى الآن – وأننا وإن انتظرنا 7 سنوات من 2004 وظهور حركة كفاية وحتى 2011 وإسقاط نظام المخلوع لكننا لن ننتظر 7 سنوات لإسقاط نظام أو تحالف (المشير – المرشد)، لأن كرة الثلج حينما تكبر تتحرك أسرع كثيراً وتزيد قوتها أضعافا.
ما يفتقر إليه "المتكاكون" هو الإيمان بأن العمل الحقيقي لانتشال الوطن من شبح فاشية دينية أو دكتاتورية عسكرية لن يكون عن طريق التكاكي والاتكاء على العسكر وإنما عن طريق العمل المدني الحقيقي
ما يفتقده المتكاكون هو الاتساق مع النفس، بعد أن كانوا ينتقدون الإخوان لتحالفهم مع العسكر، وتخليهم عن الثورة، اكتشفنا أنهم كانوا يقصدون أنهم ينتقدون العسكر لتحالفهم مع الإخوان، ويريدون أن ينفردوا هم بعلاقة محرمة مع العسكر!
ما لا يفهمه المتكاكون أن الأنظمة العقدية تتغذى وتحيى وتنتشي على فكرة القمع عن طريق التعاطف الذي تناله، وأنها حينما تخرج للنور تنهار وتتفكك سريعا حينما يرى بقية الناس مساوئ تلك التنظيمات وافتقارها لأية مشروع وطني حقيقي خاصة في الاقتصاد والعدالة الاجتماعية.
ما لا يراه المتكاكون هو أن الجمعية التأسيسية للدستور لا تحتاج تدخل العسكر كي تنهار، لأنها انهارت بالفعل حينما نجحت القوى المدنية في التوحد أخيراً على موقف واحد وهو الانحساب منها حتى تتغير آلية عملها وطرق تمثيل المصريين فيها.
ما لا يراه المتكاكون أن المصريين احتاجوا 24 عاما من حكم مبارك كي تظهر حركة كفاية على سلم نقابة الصحفيين عام 2004 ويهتف عدة مئات من المصريين "يسقط يسقط حكم مبارك" في حين أن نفس المصريين احتاجوا فقط 3 أشهر من انتخاب الإخوان كي يهتفوا على ذات السلم "يسقط يسقط حكم المرشد".
علينا أن نشكر الله كثيراً على أن غالبية الكتلة الثورية التي كانت طليعة ثوار يناير، ليست من دراويش السمع والطاعة لدى الإخوان المسلمين ولا هي من تلاميذ الكتاب الكبار المتكاكين. وأننا لا نتصل بالفنجري أو غيره لإنقاذ البلد من الإخوان لأننا نعرف جيداً أن الفنجري وأصحابه يبحثون عن أي غطاء سياسي للعيش حتى ولو على جثث الشعب.
الثورة مستمرة!
الخميس، نوفمبر 24، 2011
للنجاة بالوطن والثورة والجيش الكل معا - 2
في يومين تزايدت الشائعات والتخمينات بشكل رهيب عن المؤامرة على الثورة في شارع محمد محمود، ومحاولة استدراج الإخوان للشارع للانقضاض على الجماعة ، وشاهدنا بعض ضباط الجيش ينضمون للمتظاهرين، ومنهم أحمد شومان الذي دعا إلى مجلس مدني يضم سامي عنان، وخرج البعض ليقول إن عنان هو خال شومان، وإن هناك مؤامرة تجري من عنان للإطاحة بالمشير، بدليل تغطية الصحافة القومية التي أبرزت الانتقادات للمشير.. الخ الخ
نظريات المؤامرة تتكاثر وتتشعب والتخمينات لا تنتهي.. وباختصار شديد.. صابت أو خابت.. طز .. أيوة طز!
ليه طُز؟ هذا رأيي:
أولا: معتقدش إن المجلس العسكري عنده الذكاء الكافي إنه يخطط نظريات مؤامرة محكمة، وفكرة المؤامرة هو يستخدمها منذ 9 شهور في كل الكوارث التي حلت بالبلد دائما لديهم "طرف ثالث" هو المجرم، فإذا كان هناك طرف ثالث شيطاني لمدة 9 أشهر ولم يستطيعوا وقفه واعتقاله .. فهم فشلة وعليهم الرحيل.. أما إذا لم يكن هناك طرف ثالث وهذا هو الغالب فهم شركاء في القتل.
ثانيا: تعليقات أعضاء المجلس على الأحداث في الفضائيات تثبت بشكل واضح إنهم مقتنعين فعلا إن فيه هجوم على وزارة الداخلية ويجب صده حتى لو سقط المزيد من القتلى، ووزارة الداخلية تدار الآن بواسطة الجيش، ولا سبيل إنكار ذلك.
ثالثا: في اعتقادي مفيش مؤامرات بقدر ما هناك ضغوط رهيبة من الخارج (الأمريكي السعودي) لتحجيم المد الثوري، وكلهم بالتأكيد يقفون خلف المجلس العسكري الآن لمنع تسليم السلطة للثوار
رابعا: لا تنظّروا على رؤوس الأموات! لا للتنظير على رؤوس الشهداء! وحتى - فرضاً - صدقنا كل نظريات المؤامرة ، فالحل الوحيد لها هو إنكم تنزلوا إلى التحرير..
انتهى رصيد المجلس العسكري فعليا وعمليا منذ حادثة ماسبيرو، بعد شهور من الأخطاء والخطايا ، اللي انتهت بتلوث يد المجلس بدماء المصريين.. الأخطاء التي حملت في مجملها وأدت إلى تحجيم المد الثوري وانهاك البلاد وتبديد الطاقة الإيجابية لدى المصريين وملأهم بالغضب مرة أخرى.. وتردي الوضع الأمني مما أدى إلى تردي الحالة الاقتصادية.. كل تلك الخطايا جاءت حادثة ماسبيرو لتكللها وتصنع تاج الشهادة للثورة إن أكمل العسكري في الحكم.
ثم جاءت واقعة يوم السبت والأحد التي لن ينساها المصريون أبدا، ومشهد الشهداء يلقون في القمامة، في 3 أيام أصبح هناك ديون على المجلس متراكمة للشعب، وليس فقط انتهاء رصيد.. هناك الآن دماء بيننا وبينهم.. ومن الغباء الظن إنهم سيحاسبون أي متورط ، لأنهم لم يحاسبو حتى قتلة النظام السابق، فكيف يحاسبون بعض الظباط من بينهم أنفسهم ؟؟؟
لقد وعدنا مجلس العسكر بمحاسبة متورطي فض اعتصام 9 مارس، ثم وعدونا بالتحقيق في كشف العذرية وتعذيب الثوار في المتحف، ثم وعدونا بوقف المحاكمات العسكرية، ولم يحدث شيء من ذلك.. ولن يحدث. لن يحاسب ضابطٌ ضابطاً آخر مهما كانت الدوافع.
خامسا: يوم الجمعة غدا سيكون يوم نقل السلطة، ولا أعتقد إن المجلس سيستجيب بسهولة، لكن نزلوكم للتحرير وعدم شق الصف الوطني، والتوحد خلف مطلب واحد وأخير لاستكمال الثورة ، سوف يؤدي إلى تقليل الدماء والشهداء ، وسرعة نجاح مطالبنا
سادسا: لا تستعجلوا فض الاعتصام، مجرد وجود الاعتصام مهما قلت الأعداد يمثل عبئاً رهيباً على العسكر، وكل تصرفاتهم طوال 9 شهور كانت لتفريغ الشوارع من الثوار، والتحرير من أبنائه.
باختصار.. إذا كنت تعتنق نظريات المؤامرة الكثيرة أعلاه ، أو ترفضها، فإن الحل صار واحداً وحيداً.. انزل إلى التحرير.. احمِ ثورتك وأرجع البلاد ممن نهبوها لمدة 60 سنة تحت وعد ديموقراطية زائف.. إننا نتلقى نفس الوعد منذ 60 عاماً .. ومن الغباء أن نصدقه الآن.
انتهى
الأربعاء، نوفمبر 23، 2011
للنجاة بالوطن والثورة والجيش الكل معا
هذا رأيي فيما يحدث، ولو أعجبك، انشره للمجموعات الثورية المختلفة عشان نضغط لتحقيقه:
1- بقاء المجلس العسكري زي ال 9 شهور اللي فاتوا بيقول إنه مش حيتعلم من أخطائه أبدا، وأول ما الاعتصام يتفض حيرجعوا تاني لسياسات التخوين والطناش، وربما أسوأ ، للانتقام من النواة الثورية للشباب اللي قادوا الاعتصام وأرجعوا كرامة المصريين.
2- الوضع الآن خطير جدا على الجيش وعلى مصر، تفكك الجيش ليس في مصلحة أحد.. وهناك مؤشرات كثيرة على ذلك لو استمر العسكر في الحكم، كما أننا يجب أن نتحسس عقولنا حين تؤيد أمريكا كل ما يجري وتدعم العسكري.. هذا يقول أنه لا ديموقراطية حقيقية في الأفق طالما بقي العسكري.
3- فكرة المجالس المدنية الرئاسية فكرة سيئة، وحتحصل خناقات كبيرة بين مرشحي رئاسة كل واحد فيهم أسوأ من التاني ، قرفونا من 9 شهور ، وحيجي رجال أعمال معروفين يدخلوا بفلوسهم في القصة ، وباختصار دا حل مقرف ويسبب الفوضى، ويفتح سيناريوهات جحيم على البلد.
4- الحل تسليم السلطة إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى، كرئيس مؤقت، مع تشكيل حكومة إنقاذ وطني ، تمتلك كافة الصلاحيات ، والعسكر يكونوا في الثكنات فوراً ..
الدستور الساقط كان ينص على تسليم السلطة إلى رئيس مجلس الشعب، وإن لم يجد، فرئيس المحكمة الدستورية العليا، وبما إنه الدستور السابق سقط، فأعتقد الأولى والأكثر اتساقا مع روح الثورة، تسليم السلطة إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى بوصفه على الأقل منتخبا، لأن رئيس الدستورية العليا كان معين بواسطة المخلوع مبارك.
الدستور الساقط كان ينص على تسليم السلطة إلى رئيس مجلس الشعب، وإن لم يجد، فرئيس المحكمة الدستورية العليا، وبما إنه الدستور السابق سقط، فأعتقد الأولى والأكثر اتساقا مع روح الثورة، تسليم السلطة إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى بوصفه على الأقل منتخبا، لأن رئيس الدستورية العليا كان معين بواسطة المخلوع مبارك.
5- تأجيل انتخابات البرلمان أسبوعين أو ثلاثة حتى تستتب الأوضاع بعد تسليم السلطة وتشكيل الحكومة الجديدة، وشطب مرشحي الفلول الذين ينطبق عليهم قانون العزل ولكن قبل الانتخابات وليس بعد الانتخابات كما يريد العسكر! وهذا التأجيل لن يطيل الفترة الانتقالية ولكن:
6- استكمال خارطة الطريق كما هي ،مع تعديلات كالتالي: إجراء الانتخابات البرلمانية كلها في شهرين بدلا من 6 شهور لتقليص الفترة الانتقالية، وتشكيل الحكومة المنتخبة ولجنة الدستور ثم انتخابات الرئاسة والوصول لتوافق وطني حول الدستور والاستفتاء عليه.
هذا هو المخرج من سيناريو الفوضى وحكم العسكر والله أعلم
الأحد، نوفمبر 13، 2011
التوافق لا يَنتعِلُ البيّادة!
ارتكبت الأحزاب التي وقعت – أو حتى أبدت استعدادا – للتوقيع على وثيقة "السلمي" جريمة كاملة الأركان في حق نفسها وفي حق الوطن وفي حق الديموقراطية التي تتشدق بها، ووضعت كل مدافع عن مدنية الدولة في محنة أخرى حقيقية، تشعرها باليُتم ولا تزيدها قوة.
إن مدنية الدولة لا تمر عبر عسكرها، وإن الخطر الذي يتهدد مدنية الدولة يتساوى في المقدار سواء جاء من ناحية العسكر أو جاء من ناحية بعض القوى الإسلامية الساذجة.
والواقع إنه لا خطر حقيقي تمثله وثيقة السلّمي في ذاتها، لأن تلك الوثيقة الفضيحة ماتت وتعفنت يوم أن جعلت من جيش مصر ميليشا فوق القانون، لكن الخطر ناجم عن أنها فاقمت ولم تعالج المأزق الموجود.
المأزق يدور حول سؤال أصلي الذي ينبغي مواجهته: هل نحن بحاجة إلى وثيقة أصلا؟ ماهو منبع ذلك التصور؟ أسلكُ في الإجابة عن ذلك السؤال نقاط محددة.
أولا: يقوم التصور القائل بنعم على حجة بسيطة وغير قابلة للتشكيك، وهي إن الدستور (عقد توافقي) ليس بين الشعب وحاكميه فقط، ولكن بين مختلف أبناء الشعب الواحد. ولأن السمة الأم له هي "التوافقية" فإنه لامجال في الدساتير لفكرة الأغلبية والأقلية، التي من الجائز أن تميز الحكومات والمجالس البرلمانية، لكن لا يجوز أن تميز الدستور، وإلا نصبح أمام نوع من الاستبداد يسمى "استبداد الأغلبية" الذي يختلف كثيراً عن أمر مشروع آخر وهو "حكم الأغلبية".
فما هو السبيل لتمثيل كافة أطياف المجتمع، وليست الأيدولوجيات فقط أعني، ولكن أيضاً أطيافه المهنية والعلمية، والدينية.. الخ، بحيث نضع دستور جمهوريتنا الثانية وقد شارك في صياغته و (تراضى عليه) كل أبناء الشعب، من المسيسين والأحزاب وعلماء الطبيعة وعلماء الدين والفلاحيين والعمال وربّات البيوت والنقابات المهنية؟
كيف يمكن أن نضمن ذلك، عبر الانتخابات وبشكل أيضا لا يضع وصاية على الناخب في اختياره؟ لاتوجد طريقة واحدة صحيحة، فثمة طرق كثر واجتهادات، أحدها تلك التي يقترحها البعض وهي أن تكون هناك "وثيقة" مبادئ شرفية وظيفتها الأساسية التأكيد على المعنى السابق.ش
ثانيا: المخاوف على "طبيعة" الدولة.. و"هوية" الدولة.
تزداد المخاوف حول استفراد تيار بعينه بوضع الوثيقة، نتيجة وجود احتمال كبير لفوز الإسلاميين بأغلبية برلمانية، كونهم أكثر التيارات تنظيما. ولأن تجارب الإسلاميين في الحكم في دول أخرى قدمت نماذج مخيفة ليس فقط للنخبة المثقفة ولكن لشريحة ليست هينة من المصريين، صار القلق مضاعفا على "طبيعة الدولة" المصرية إذا حصدوا أغلبية تؤهلهم للانفراد بوضع دستور جديد.
الإسلاميون بدورهم لديهم هواجسهم حول "هوية" الدولة، هذه الهواجس التي بزغت بوضوح قبيل وأثناء الاستفتاء على التعديلات في شهر مارس، والمفترض أن تكون انتهت - نظرياً وعمليا – بالنص في الإعلان الدستوري على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن مبادئ الشريعة هي أساس الحكم فيها.
لقد اتضح ساعتها أن هوية الدولة غير قابلة للمساس، وأن المادة الثانية هي رغبة الأكثرية الساحقة من المصريين، بما فيهم الكثير من الأقباط أنفسهم، الذين لا يعارضون المادة الثانية، بل يجدون فيها فرصة لإضافة تعديل يسمح لهم بالاحتكام لشريعتهم في الأحوال الشخصية. بما يجهض طروحات العلمانيين على الطرفين: المسلم والمسيحي.
ومادام الإعلان الدستوري جاء بذلك الشكل، فإن الأمر يخوّلنا أن نقول إن هوية الدولة العربية الإسلامية لم تعد محل قلق أو شك، أو – في أضعف تقدير فإن الكثير من القلق حول الهوية قد تبدد – في حين أن المخاوف حول طبيعة الدولة لاتزال قائمة.
يتعزز القلق حول طبيعة الدولة بسبب إصرار بعض الإسلاميين على الحديث عن إسلامية الدولة، بما يعني أن الدولة الحالية والإعلان الدستوري بشكله الحالي ليس "مسلما" بالقدر الكافي. وهذا المعنى هو الذي تدور حوله تصريحاتهم المتعاقبة من أن الإسلام جاء ليحكم، وأنه لابد من تحكيم الشريعة.. حتى قال أحدهم إن الله نصر الثورة لأنها جاءت برياح الإسلام!!
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب قد يعني مما يعني أنه حال تدشين "دولة إسلامية" فإن تبادل السلطة سيذهب أدراج الرياح، لأنه سينحصر في الأحزاب "الإسلامية" فقط، لأن بقية الأحزاب "العلمانية والاشتراكية" سيتم حظرها لأنها تتنافى مع "صحيح الإسلام".
ما يجب أن يعيه عقلاء الإسلاميين أن هذا القلق على تبادل السلطة، لا يبديه بعض متطرفي العلمانية الذين ناموا في حضن مبارك ونظامه، لكنه قلق يبديه بعض أكثر المفكرين والمحللين ممن دافعا عن شرعية الإخوان وعن ضرورة إدماجهم في الحياة السياسية، بل ودفعوا ثمن ذلك باهظا.
ثالثا: التوافق يمر عبر المخاوف
الحل يكمن في مواجهة مخاوفنا، فالتوافق لا يمر عبر العسكر ولا ينتعل البيّادة، لأن إدارة المزيد من الحوار ينبغي أن تكون دون وصاية، والحوار ليس فقط الجلوس إلى الطاولة.. فالانتخابات هي نوع من الحوار بين أطياف المجتمع يتبين كل طرف فيه ثقله وجماهيريته.. يجب أن يدعى الجميع للتوافق، دون استثناء، وليكن ماثلا في وعي الجميع أن العسكر يحاولون الحصول على أكبر مكاسب عن طريق تخويف كل طرف من الآخر وإغراء كل طرف بالوقوف معه في مواجهة الآخر.
ألم يكفِ كل ما حدث كي ندرك إن جلّ المصائب والمفرقعات التي هزت مصر في المرحلة الانتقالية كانت نتيجة مباشرة لمن يحكموننا سواء عسكر أو مدنيين تحتهم؟ فندير حوارنا ونجابه مخاوفنا بعيدا عن وصايتهم؟
هل استوعب الإسلاميون الدرس حقا؟ بعد أن دافعوا عن العسكر شهورا عديدة على حساب الكثير من مبادئ الثورة والمطالب التي قامت لأجلها، وهاهم يجدون أنفسهم في المربع الأول نتيجة لحساباتهم الخاطئة، ثم تأتي بعض القوى العلمانية المتهالكة التي تلعب الآن نفس الدور الذي انتقدوا من أجله الإسلاميين في البداية، أي غباء وأي ازدواجية تلك؟!
يرى الكثيرون وأرى معهم، أن وثيقة "السلمي" تعيدنا مرة أخرى لترتيب صفوفنا ومعرفة أولوياتنا وأن خلافتنا نحسمها بأنفسنا وليس بالاتكاء على العسكر، وأن السبيل للتوافق يبدأ بـ "تعرية" كل الأطراف المتطرفة التي ترفض التوافق، وتلك المنافقة التي تبحث عن مكاسبها ولو على حساب مبادئ الديموقراطية.
الكرَة متاحة أمام الإسلاميين المعتدلين أكثر من غيرهم، أن يثبتوا خطأ من يحاولون تصنيفهم ككتلة واحدة، لا ينبغي التحاور معها لأنها تمثل خطراً داهما على الحريات، وأن يستغلوا تضامن القوى الثورية العلمانية التي وقفت إلى جوارهم ضد دولة العسكر، وأن يقدموا النموذج في الرغبة في التوافق مع الباقيين لا الاستعلاء والرفض.
إن غاية ما تقدمه لا أن تصنع توافقا ملفقا، ولا أن تضع البلاد على حافة الهاوية لأجل مصالحك.. لكن أن تسجل براءتك لله وللتاريخ أنك فعلت كل ما بوسعك من أجل قيم العدل والديموقراطية.. وليقضي الله أمراً كان مفعولا.
الخميس، يونيو 16، 2011
في عباب المرحلة الانتقالية .. الشعب هو الأمل
نشر هذا المقال أولا في موقع المصري اليوم بتاريخ 12/6/2011
http://www.almasryalyoum.com/node/466919
بقلم: عمرو مجدي
لمْ تصِبْ المرحلة الانتقالية المواطن العادي بالحيرة والارتباك فقط، ولكنها أصابت السياسيين كذلك بالكثير من التخبط والدوران في حلقات مفرغة.. في حين كشفت وعرت الكثير من الممارسات الإقصائية التي يمارسها هذا الفصيل أو ذاك.
يتحمل مسئولية هذا التخبط والارتباك كافة القوى الوطنية بالإضافة للمجلس العسكري، وإذا القوى الوطنية من اليمين إلى اليسار تتشارك قسطا من مسئولية الغلط واللغط، فإن مسئولية العسكر هي الأكبر كونه يحكم ويدير بل ويُشّرع القوانين.
إن ارتفاع حدة التجاذب والتراشق الفكري والسياسي أمر طبيعي في الأوقات العصيبة التي تمر بها الأوطان، فما بالنا بالثورات، إلا أن هذا التجاذب إن لم يكن على أرضية مشتركة يمثله حد أدنى من التوافق فإنه يهدد بانفراط عقد الجماعة الوطنية وتشرذم الجهود وفي النهاية انتكاسة التحول الديموقراطي لا قدر الله.
في مسئولية المجلس العسكري عن هذا التخبط يمكن قول الكثير، لكني ألخص هنا ما اعتبره أبرز الأخطاء التي وقع بها:
أولا: "اللا نظام" في إدارة الحوار الوطني:
شهدنا دعوات عديدة لدرجة يصعب إحصائها لضيق المساحة، وجهها المجلس العسكري وحكومة شرف إلى القوى الوطنية للتحاور، لكن تلك الحوارات باءت جميعها بالفشل في تحقيق المراد منها. وذلك لسمتين رئيسيتين تميزت بها تلك المحافل:
- الأول هو عدم وجود أجندة أعمال واضحة لأي من هذه الحوارات، مما جعلها تبدو وكأنها تدار بطريقة "عندنا إيه النهاردة" التي كان يدير بها النظام السابق البلاد، الأدهى أنه رغم تعدد الحوارات والمحافل لكن ذات الخطأ تكرر بطريقة مستفزة.
- المظهر الثاني مرتبط بالأول وهو عدم وجود آلية واضحة لاختيار المتحاورين، إذ وجدنا في بعض الأحيان فلول الحزب البائد وكهنة ترزية القوانين بين صفوف المدعوين، وفي أحيان أخرى كثيرة وجدنا أن المدعوين هي وجوه إعلامية أكثر منها وجوه تعبر عن القوى الوطنية، بحيث ينتاب المراقب انطباعا قويا أن الحوار ماهو إلا "مكلمة" أعدت لإطفاء حنق البعض، لكنها تظل "حرثاً في الماء".
ثانيا: غياب الشفافية:
لا يمكن للمجلس العسكري أن يقوم بكل الأدوار: التشريعي والتنفيذي والرقابي منفرداً، فحتى إذا رفضنا فكرة المجلس المدني الرئاسي، فإنه كان يتوجب على المجلس العسكري أن يوسع من دائرة متخذي القرار، وزيادة الشفافية، وكان ذلك يمكن أن يتم بسهولة، على سبيل المثال: تكوين مايشبه الهيئة الدائمة الموسعة من المستشارين السياسيين وفقهاء القانون، وتلك بدورها تقود حوارا مجتمعيا مع مختلف القوى الوطنية حول كل قانون من القوانين المطلوب تعديلها قبل إصدارها، من خلال أجندة زمنية محددة وعلنية.
لكن ما حدث هو أننا نفاجئ صباحا في الصحف بتعديل قانون كذا أو كذا، وكأن المجلس العسكري يلقيه في وجوهنا ويقول: عاجبكم أو مش عاجبكم هكذا هو! وحينما يُوجَه له الانتقاد يقول أنه استطلع رأي الكثيرين من فقهاء القانون، دون أن يقول لنا: من هؤلاء تحديدا؟ وماذا قالوا؟ وماهي البدائل التي طروحها؟ وعلى أي أساس فضّل المجلس العسكري هذا البديل أو ذاك؟ غياب الشفافية على هذا النحو أدى في النهاية إلى فقدان البوصلة، وتكاثر علامة الاستفهام حول العلنية المطلوبة في أخطر مرحلة من تاريخ مصر والتي من المفترض أن تتأسس عليها ديموقراطية حقيقية.
في ذات الوقت، فوجئنا بأسلوب غاية في الغرابة، يتلخص في أن بعض أعضاء المجلس العسكري يديرون حوارا عبر برامج "التوك شو" مع المخالفين لهم والمنتقدين لأداء المجلس، وكأن إدارة المرحلة الانتقالية أصبحت تتوقف على حديث غاضب منفعل لدقائق معدودة عبر الهاتف.
الأدهى أنه – وفي ظل غياب شبه كامل للشفافية كما شرحت أعلاه – فإن المجلس يضيق ذرعا بكل من ينتقد طريقة إدارته للبلاد، وكأننا بصدد حرب بين العسكر والمثقفين، في حين أن الأمر لا يعدو كونه اختلافا في وجهات النظر، صغُرَ أمْ كبُر، وعلى قادة البلاد الأجلاء أن يتذكروا أنه لا يوجد الآن برلمان يراقب أدائهم، وبالتالي فإن الإعلام هو الوسيلة الوحيدة للنقد وإبداء الرأي. وهو أمر لا غنى عنه لأي دولة ديموقراطية فما بالنا عندما نكون بصدد "تحول ديموقراطي".
قد يكون بعض ذلك النقد قاسيا أو لطيفا، لكن على العسكر أن يتذكروا دوما وأبدا أن هذه الثورة هي طاقة النور الوحيدة، وشعاع الأمل اليتيم خلال ستين عاما من القهر والقمع والتخلف والفساد الذي عاشته مصر، وأن التطرف في التشبث به مطلوب، وأن الصبر على النقد واجب، وأن بعض الكلام الغير مباح في الطريق لا يبرر تكميم الأفواه، خاصة وأن الجرائد القومية – ولله الحمد والمنة – عادت إلى عادتها القديمة في ممالئة الحاكم، ونفاقه، والحديث عن إنجازاته وبركاته، وكأنها لا تستطيع أن تعيش دون أن تمسح جوخ أحدهم..
ولأنه - وفي النهاية - ما ينفع الناس يمكث في الأرض.. والزبدُ يذهب جفاءً، فإن النقد سُنَّة مُؤكدة والصبر عليه واجب، والرد عليه عن طريق التوك شو غير مستحب.
هذا عن المجلس العسكري، فماذا عن مسئولية القوى الوطنية؟
كان الاستفتاء على الدستور بمثابة الأكل من التفاحة التي أخرجت القوى الوطنية من "جنة التحرير" إلى "أرض الديموقراطية"، ولأن آدم لازال يحبو خطاه الأولى على الأرض فإنه بحاجة إلى أن يتعلم "الأسماء كلها" ويعرف الأشياء بطبيعتها..
تعددت أسباب الخلاف، بين مؤيد للمجلس العسكري، والانتخابات أولا، وبين وراغب في مجلس مدني، يؤيد الدستور أولا، وبدا أن أنصار الرغبة الثانية يصطفون في المعسكر العلماني، ضد أنصار الرغبة الثانية الذين ينتمون للتيار الإسلامي.
تعقيبا على هذا الخلاف يمكن رصد عدة نقاط:
أولا: أن هذا الاصطفاف الإسلامي – العلماني، يحمل بعض المبالغة، فمنذ الاستفتاء الدستوري كان هناك الكثير ممن قالوا نعم من اليسار والليبراليين والعكس.
بيد أن هذا لا ينفي أن جملة الإسلاميين تبدوا وكأنها تقف في صف العسكر بكل مايصدرونه من قرارات، وأن جملة التيارات العلمانية واليسارية تخالف ذلك.
لا أقتنع بالتفسيرات الدينية لذلك، في حين أميل إلى التفسير السيكولوجي، إذ أن العسكر والجماعات الإسلامية يتشاركون في كونهم من الكيانات الإنسانية "الجامدة"، التي تستلهم نوعاً من المقدس "العقيدة القتالية والطبيعة العسكرية في حالة العسكر، والعقيدة الدينية في حالة الإسلاميين" ، وتلك الكيانات "الجامدة" تتحسس من التغيير المفاجئ وتحاول "تسكين الأوضاع" فور اشتعال الثورات، فهي تفضل دائما منهج التغيير الهادئ البطيء على التغيير السريع. إنها لا تقف في معسكر الفساد، ولا تؤيد الاستبداد لكنها ليست بالضرورة راغبة في قلب الطاولة.
ثانيا: أدارت التيارات المؤيدة للمجلس المدني النقاش بشكل خاطئ وساهمت في تصعيد حدته ليتحول إلى تراشق صورت فيه أن ثمة صفقة بين العسكر والجماعات الإسلامية، وهذا ليس صحيحا برأيي، وإن كان هناك تلاقٍ للمصالح بينهما.
فالإصرار على محاربة طواحين الهواء، والخوض في جدالاتٍ تجاوزها الوقت، مِنْ مِثل الحديث عن المجلس المدني أو تقديم الدستور على البرلمان، لايعد سوى إضاعة للوقت وانحراف للحوار الوطني عن أهدافه، وتجذير للهوّة بين القوى الوطنية.
وكان الأوقع والأذكى أن تقوم تلك القوى بالدعوة إلى نقاش وطني حول مبادئ أولية للدستور تلتزم بها اللجنة التي ستضع الدستور، إذ تكون الدعوة في هذه الحالة ذات وجاهة ومنطقية ويكون من يرفضها واضح النية في الانفراد بوضع الدستور، ينبغي الضغط عليه لاحترام التوافق.
برغم قتامة الصورة السابقة، إلا أن ثمة وعي متزايد لدى الجميع بعد أسابيع من التراشق الثقافي الحاد، أن وجود إجماع وطني حول حدٍ أدنى من الأجندة الوطنية هو حاجة ملحة وليست ترفاً أو فضيلة، إذ في غياب هذا الحد الأدنى من التوافق فإن الثورة في خطر، والتحول الديموقراطي محل شك.
ليست مشكلة أن يؤيد الإسلاميون العسكر، لكن المشكلة أن يسكتوا عن انتهاكات جسيمة للعسكر تناولها الإعلام صوتاً وصورة، إذ تبدوا مصداقيتهم هنا على المحك. ليست المشكلة أن يتبنو أجندة إسلامية ولكن المشكلة أن يعتبروا الليبرالية كفرا والعلمانية انحلالا أخلاقيا. ويستخدموا منابر دينية للترويج لتلك الخزعبلات.
وكذا ليست المشكلة أن يفضل العلمانيون مجلسا مدنيا، لكن المشكلة أن يعتبروا أن المطلوب هو إقصاء الإسلاميين، وأن الديموقراطية لا تتسع للجميع. وأن الاستفتاء ليس ملزماً وكأن الديموقراطية يجب أن تفصل على مقاسهم.
يتحرى المرءُ بعض الأمل في تصريح كالذي نقلته صحيفة الشروق يوم 2 يونيو أكد فيه قادة بالمجلس العسكري على أن "المجلس شريك بالثورة وأن تصرفات الجيش ليست فوق القانون"، بيْد أن الواقع للأسف مخالف لما نسمعه. فالمجلس يتصرف وكأنه مالك الثورة ومفجرها، وليس شريكا فيها، إذ ينبغي إن كان شريكا فيها، أن يكون شريكا في الحكم أيضا لا منفردا به..
في عباب المرحلة الانتقالية.. الشعب هو الأمل.
مقالات أخرى ذات صلة:
في السماء.. ذاكَ أفضلُ جداً – المخزنجي
من يكتب الدستور؟ - علاء عبد الفتاح
أمازلنا كلنا خالد سعيد؟ - عمرو عزت
الثلاثاء، مايو 10، 2011
مصر تريد حلولاً أخرى
بقلم: عمرو مجدي
لم تعد الحلول المطروحة ناجعة في رأيي، مصر تريد حلولا أخرى من خارج الصندوق للفتنة السوداء. ربما حلول تستلهم الروح العظيمة "المهاتما" غاندي وخلافها من تجارب البشرية العظيمة. وحتى يحدث ذلك فإن بعض النقاط التي تثار في الإعلام حول الموضوع تحتاج إلى مواجهة للتوضيح.
لقد كثُر اللغط حول دور السلفيين وحول نظرية المؤامرة، وحول أصل المشكلة من احتجاز فتاة تدعى عبير وهل هو حقيقة أم إشاعة مغرضة.. وبين يدي هذا "السيلان" الإعلامي، ثمة نقاط صلبة أعتقد أنها يجب أن تمثل قاعدة للنقاش ولا ينبغي لأحد أن يجادل فيها، في سبيل الوصول لحلول أخرى خلاقة.
أولا: في الخلط بين التظاهر السلمي والاستفزاز المشين
إن التظاهر أمام دور العبادة للآخرين هو عمل غير سلمي، لا يقره عقل أو شرع، وحتى في وجود دلائل واضحة وحية على احتجاز الكنيسة لأي شخص، فإن العمل يكون من خلال الأطر القانونية وتقديم بلاغ للنيابة العامة ليأخذ العدل مجراه. وقد أوضح وزير العدل أن قانون العقوبات يحتوي مواد تعاقب على التظاهر أمام دور العبادة.
إنه أمر مستفز لمشاعر الجميع كيف يعطي أي مواطن نفسه حق تفتيش دار عبادة بسبب شائعة سمعها لايوجد عليها أي قرين، ولنا أن نتساءل عن رأي هؤلاء المسلمين – الذين قادهم بعض المتطرفين – إذا أراد مسيحيون أن يفتشوا مسجداً بسبب شائعة مماثلة!!
ثانيا:عن نظرية المؤامرة:
كثر الحديث عن نظرية المؤامرة التي يدبرها فلول النظام في الداخل، وأعداء مصر الثورية في الخارج، وامتلت الصحف بعناوين من هذا القبيل.. والملاحظة التي أبديها هنا وأظن أنها لا تحتمل خلافاً تتلخص في نقطتين:
الأولى أن الحديث عن المؤامرة يظل ممجوجا وفاقعا دون تقديم معلومات واضحة ودون إحالة هؤلاء "المتآمرين" إلى النيابة، لقد تحدث أعضاء المجلس العسكري كثيرا عن استهداف مصر دون أن يقولوا لنا أي معلومات عن من يعنون بالمتآمرين؟ من هم ومن خططهم ومن يمولهم؟ وماذا يعرفون عنهم؟
النقطة الثانية المهمة والتي لا تحتمل جدالا هي أنه حتى إن ثبت وجود مؤامرة، فإن هذا لا ينفي أن تلك الاستجابة السريعة المخيفة لدعاوى طائفية إنما تعنى أن المناخ ملبد بالاحتقان، وأن نفوس كثير من المصريين بها تربة خصبة للاشتعال الطائفي. صحيح أن العوامل التي أدت لوجود هذه التربة تنتمي جميعا إلى خطايا النظام السابق في إفساد التعليم ومحو الثقافة واستثمار الفتنة لتقسيم الجماعة الوطنية، إلا أن هذا لا ينفي أن قسطا من المجهود والمسئولية يقع على عاتقنا جميعا لتجريف هذه التربة وإنبات مكانها تربة أخرى بديلة حسنة.
ثالثا: في غياب الأمن
إذا كان ذاك المناخ الثقافي البغيض هو أصل المشكلة، فإن عاملا آخر مهما يشترك معه وهو ذلك الفراغ الأمني المريب والرهيب، لقد تحدث شهود عيان عن أن الحشود أمام الكنيسة استمرت لخمس ساعات قبل أي تدخل أمني، في حين تحدث آخرون أن 4 ضباط من الداخلية قد انسحبوا في هدوء – هكذا ببساطة – فور توتر الأوضاع، وتركوا الفتنة تشتعل!
وكان أكرم لهم أن يموتوا دفاعا عن الكنيسة، والوطن، حتى لو التهمتهم الجموع الغاضبة، ليرضى عنهم الرب والناس.
لقد تربى ضباط الداخلية في العهد البائد على أن مهنتهم هي مهنة مميزات ووضع اجتماعي مرموق وليست مهنة مخاطر، وهذه الثقافة المغلوطة ينبغي أن تتغير، وينبغي أن يعي كل طالب يختار كلية الشرطة مسارا لمستقبله أنه على استعداد للتضحية بنفسه في سبيل حفظ الأمن، وأن مهنته تنطوي على مخاطر جمة.
رابعا: عن مسئولية السلفيين عن الفتنة
إن اتهام بعض السلفيين بقيادة التظاهر أمام الكنيسة والمبادرة إلى إشعال الفتنة هو اتهام صحيح لا مجال إلى نفيه، وقد أقام النشطاء الدليل على ذلك من خلال فيديوهات واضحة وصريحة على اليوتيوب يحرض فيها بعض أتباع التيار السلفي الناس على التظاهر أمام الكنيسة وإجبار كهنتها على السماح لهم بتفتيشها.
صحيح أن الفتنة حين اشتعلت فإن السلفيين أصبحوا قلة وسط المتظاهرين، وأن البلطجية اندسوا وسط الناس سواء للضرب أو للسرقة، وساعتها فإن مسئولية السلفيين تراجعت لتصبح مسئولية جموع كبيرة صاخبة على الجانبين، إلا أن هذا لا ينفي أن السلفيين كانوا هم من بدأوا بالاستفزاز بالتظاهر ومحاولة تفتيش الكنيسة.
صحيح كذلك أن تصريحات وزير الداخلية أشارت إلى أن ضرب الرصاص بدأ من جانب صاحب مقهى مسيحي مجاور للكنيسة وأنه لم يكن هناك أي إطلاق للنار من داخل الكنيسة، لكن هذا لا يكفي وحده لنزع مسئولية السلفيين، وإنما يعني أن التطرف يوجد على الجانبين وأنه يجب محاكمة كل من شارك أو حرض من الجانبين.
إنني أبارك تصريحات بعض قيادات الدعوة السلفية والإخوان بشجب ماحدث والتأكيد على ضرورة التصدي للفتنة لكنني أرى أيضا إن كثرة الحديث عن المؤامرة، والإصرار على أن البلطجية وحدهم هم من قاموا بالاعتداءات هو سلوك بعض الإسلاميين الذين يحاولون دس رؤوسهم في الرمال، بدلا من الاعتراف بشجاعة أن بعض المنتمين إليهم كانوا فعلا ضمن المشاركين والمحرضين على الفتنة.
لا أرى أي عيب – بل أرى كل الشجاعة والإنصاف – في أن يقول رموز التيار السلفي أن بعض المنتسبين إلى السلفية قد شاركوا في الفتنة، وأنهم لا يقرون هذا التصرف. أما سياسة الإنكار فهي مستفزة.
خامساً: في رفض الإجراءات الاستثنائية
في خضم اللغط الإعلامي، كان أسخف ما قرأت المطالبة بعودة أمن الدولة ومراقبة السلفيين وكأن الحل الوحيد لحفظ الأمن هو البطش والتعذيب والتجسس على أنفاس البشر، ونسينا أن التطرف الأمني لا يولد إلا تطرفا مماثلا. ونسينا أن الحل الأساسي للمشكلة هو المعالجة الثقافية والمعرفية، وتطبيق القانون على الجميع حتى وإن كانوا رجال دين إسلاميين أو مسيحيين شاركوا في اضطهاد الناس أو تحريضهم.
يجب أن نتفق أيضا على رفض تحويل المتهمين إلى محاكمة عسكرية، ولنا أن نتساءل في ذات الوقت وفي ألم حقيقي: كيف يحاكم بعض النشطاء الذين قبض عليهم في التحرير عسكريا؟ في حين أن معظم المثقفين يطالبون بمحاكمة مدنية حتى لأعتى المجرمين؟
سادساً: في محاسبة المتورطين دون حساسيات
حرية العقيدة يكفلها القانون والعقل والشرع، ولا دخل للناس في إسلام شخص أو تنصر آخر، ولا حق للكنيسة في احتجاز أحد كما أنه لا حق للسلفيين في مهاجمة المتحولين عن الإسلام. هذه هي دولة القانون التي نريدها، والتي يجب أن يستوعبها جموع المتدينين من مسلمين ومسيحيين الذين عودهم النظام السابق التنازل عن تطبيق القانون وإقامة العدل.. فسكت عن التحقيق في دعاوى احتجاز الكنيسة لبعض من أعلنوا إسلامهم، كما سكت عن إنزال العقوبة المفروض تطبيقها على المتورطين في الاعتداءات المتكررة على المسيحيين، واكتفى بجلسات صلح هزلية.
وللأسف، سار المجلس العسكري على ذات المنوال في أحداث أطفيح، فلم يحاسب أحدا ولم يعاقب الذين أحرقوا الكنيسة سواء كانوا سلفيين أو بلطجية، لايهم، المهم في نظر القانون أنهم مخطئون.
هذه الثقافة المريضة في إفلات المخطئ من العقاب يجب أن تتغير، ويجب أن يقبل كلا من المسلمين والمسيحيين أن ينزل أشد العقاب بكل من يقترب من حرية العقيدة والعبادة للآخرين.
لقد خرجت السيدة المسماة عبير على بعض الفضائيات أمس لتعلن أنها كانت بالفعل محتجزة داخل الدير، وإن صح ذلك من خلال تحقيقات النيابة فإنه يجب التحقيق مع من احتجزها، ولفت نظر قيادات الكنيسة إلى ذلك دون أن يثير هذا أية حساسية في نفوس الإخوة المسيحيين. ودون أن يفلت كذلك من هاجموا وحرضوا ضد الكنيسة من العقاب.
لنا في تجارب الآخرين عبرة إذ يحكي التاريخ فصولا مذهلة من نضال الإنسان العظيم المهاتما غاندي ضد الطائفية، لقد كان الإنجليز يبررون احتلالهم للهند بحماية الأقلية المسلمة هناك ضد الأغلبية الهندوسية، فكان غاندي يقول لهم ربما تحدث مشاكل بعد رحيلكم، لكنها ستكون قضيتنا نحن لا قضيتكم.
وبالفعل بعد رحيل الانجليز انشقت الأكثرية المسلمة وكونت دولة باكستان. واشتعلت المذابح الطائفية في كالكتا وولايات أخرى، فصام غاندي وأقسم أنه لن يأكل حتى توقف كل الاشتباكات، وفشلت كل محاولات إثنائه حتى بعد هدوء الموقف، ولم يعد لتناول الطعام سوى بعد أن رمى آخر رجل سلاحه، بعد أن أشرف على الموت وأدرك الناس فداحة ما يرتكبونه في حق أنفسهم وبلادهم.
بعد تعافي غاندي كان ينتوي زيارة باكستان للتأكيد على وحدة الهنود حتى لو كانوا في دولتين، لكن متعصب هندوسي باغته وقتله.
كان غاندي يقول عن نفسه أنه هندوسي مسلم مسيحي يهودي بوذي في ذات الوقت، لكنه كان هندوسيا متدينا يعرف الله ولم يمنعه تدينه من أن يقدم التضحيات تلو الأخرى لوأد الفتنة التي كان يراها بعين ثاقبة تحرق بلاده.
أسوق هذه القصة إلى من يتشدقون بأنهم من أتباع ديانات سماوية من مسلمين ومسيحيين لكنهم لايجرءون على تقديم 1% من التضحيات التي قدمها غاندي، بل وجعلته في نظر متعصبين هندوس خائنا ومتخاذلا.
في وسط كل هذا السواد ثمة أسبابا للتفاؤل، ثمة دعاة عهدناهم محرضين متعصبين، نراهم اليوم يتراجعون عن خطابهم بعد أن أدركوا خطورته، وآخرون ينكشفون بخطابهم المحرض. ثمة مسيحيين فكروا في الهجرة جعلتهم تلك الأحداث يشعرون بالتحد وأن هذه البلد بلدهم مثلهم مثل المسلمين وأن الهجرة هي سلوك الاستسلام السهل.
لكن لازالت بقعة الضوء صغيرة أمام العيون الحالمة.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)



