بعض من الجمهور الذي وقف عند مدخل الحفل يتحين فرصة للدخول
"التيكت بخمسين جنيه، وقوف، والحفلة الساعة عشرة" .. بطريقة ميكانيكية قالها موظف الأوبرا دون أن يرفع وجهه إليّ، أخرجت 150 جنيها وقطعت 3 تذاكر لي وصديقين..
لست من هواة الحفلات، لكني رغبت في تجريب "شيء جديد"، وشجعني صديقي .. خاصة أننا نشترك في عشق منير.. وقررنا حضور حفلة عيد الحب. --- فاصل---
"أنا بشكر المصرية للاتصالات أنها رعت هذا الحفل في الوقت اللي كل الرعاة مشيوا بسبب الأزمة الاقتصادية".. هكذا قال منير في وسط الحفل .. لكن لا أعرف إذا كانت تلك الأزمة الاقتصادية تستدعي رفع سعر التذكرة من 35 إلى 50 جنيها لأول مرة؟؟ لكن برغم ذلك يظل الفنان الوحيد تقريباً الذي يقدم تذاكر موحدة مخفضة لجمهوره بهذا السعر..
--- ---
عندما وصلت إلى جراج الأوبرا (مكان الحفل) أدهشني عدد الضباط والعساكر المتواجدين، وحرصهم التأكد من التيكت عدة مرات.. ذاك الحرص الذي لم يكن أكثر من قشرة سطحية كما ستعرف بعد عدة أسطر!
بعد الدخول تذكرت أني تركت الكاميرا في السيارة فعدت لأخذها..
"إيه دا رايح فين؟ الكاميرا ممنوعة!" أوقفتني الجملة على باب الحفل، نظرت للضابط في دهشة وقلت له ممنوعة ليه؟ قال: ممنوعة! فتراجعت في خيبة أمل وذهبت لأترك الكاميرا في السيارة..
عندما عدت خضت للتدقيق ثانية لكن يبدو أن ذلك التدقيق لم يحرم البعض متعتهم المتمثلة في تدخين الحشيش الذي فوجئت برائحته حينما وقفت بجوار بضع عشرات من الشباب الذين حضروا مبكرا مثلنا للوقوف بالقرب من المسرح Stage.
الأمن ترك الجميع في النهاية يدخلون بدون تذاكرمازال متبقيا على معاد الحفل ساعتين ونصف، ومع مرور الوقت كان العدد يتزايد بإطراد. تسليت بإلإنصات لحديث الشباب من حولي، وكان أغلبه يتعلق بالفن أو الكرة فقط.
كان صديقي محمود يحكي عن تعرض شقة جاره – البهائي الديانة – للسرقة، ويبدو أن كلمة "بهائي الديانة" ارتطمت بأذن أحدهم الذي نظر إلينا في رعب ودهشة وقال: هوا إيه البهائية دي؟ حاولت أن أشرح له، وقلت له إن الداخلية تمنعهم الحق في كتابة ديانتهم في البطاقة.. ولم يخيب الشاب ظني إذ لم يتأخر تعليقه الأحمق الذي سيصدر من أي مصري: .. أبوهم!! هوا كل واحد يصحى من النوم يخترع دين جديد!
وكأن المشكلة في الدين "الجديد" وليس في المجتمع الذي يضيق بالاعتراف بأي "آخر".
لكن يبدو أن الدين "القديم" لم يصلهم أنه يحرم الحشيش (وربما مخدرات أخرى لأني لا أميز بين روائحها)، إذ استمرت الرائحة في التصاعد بين آونة وأخرى.
--- فاصل ---
من حين لآخر تتصاعد صيحات "شلة" من الشباب تسب تامر حسني.. في حين يقول أحدهم: "يا جماعة حرام تشتموه إنتو كدا بتعملوا منه حاجة هوا أقل من إنه يتشتم".
في حين قال منير حينما كان مع تامر على خشبة المسرح في حفلة سابقة "دي مشكلة جيل مش مشكلة تامر" معلقاً على تهرب تامر من التجنيد.
أفهم ما يقوله منير، وأفهم كذلك أن تامر لا يجب أن يقارن بمنير لأن في ذلك ظلم للاثنين بسبب فارق الحجم والتاريخ، لكني لا أفهم أن يستمر السباب البذيء بدون أي مناسبة، ووسط وجود عدد من الأطفال والفتيات.. هذا إذا اعتبرنا أن السباب لايؤذي بقية الشباب!
--- ---
ولا مانع من تسلق الأشجار أيضا لمشاهدة الحفل!
عندما بلغت الساعة العاشرة كان المكان الذي يتسع لنحو 10 آلاف كرسي قد اكتظ بنحو 60 ألفاً حسب وكالة الأنباء الفرنسية. كانت بعض المجموعات تنتابها حماسة مفاجأة – بفعل الحشيش فيما يبدو – فتبدأ في التدافع.. شعرت بالرعب من الموقف الذي أتعرض له أول مرة، بالإضافة لشعور – حقيقي أو هستيري بفعل تكويني الهش – بالاختناق..
أخبرت صديقي محمود أنني سأبتعد قليلا عن مكان التدافع.. حتى وجدت متنفساً على بعض أمتار قليلة..
في الساعة الحادية عشر وبضع دقائق – كعادته – صعد منير إلى المسرح وسط تهليل الحضور.. لكن ذلك لم يهدأ من جنون البعض الذي استأنف نوبات الصرع التدافعية، شعرت بالاختناق مجدداً فقررت الابتعاد أكثر..
انتهى بي الأمر إلى الخروج من السوار المحيط بالحفل كاملاً، إذ اكتشفت أن المكان كله مليء بأمواج البشر بذات الكثافة، وليس في الأمام فقط، حيث لم أكن تخيلت بعد العدد، لأنني كنت في الصفوف الأمامية ولم يكن لدي علم بما يجري خلفي!
في النهاية أحدث الجمهور فرجات للدخول في سور الحفل
في الكافتريا حيث ذهبت لالتقاط أنفاسي وشرب شيء دافئ، كان أحد المسؤولين بالأوبرا الذين رأيتهم على البوابة قد جاء متصببا عرقا يطلب شيئاْ مثلجاً .. ويبدو أن الإنهاك قد فك لسانه، فأخذ يلعن ويسب في الحفل وقال بالحرف: "المشكلة إن هناك 8 أو 9 منافذ، وهذه المنافذ مسيطر عليها الأمن، وكل واحد بيدخل قرايبه وقرايب قرايبه ومعارفه"..
قلت له في غيظ: أنا دافع تذكرة ومع ذلك خرجت لأني حسيت إني هتخنق!
قال: إنتا كنت هتموت مش تتخنق بس!
قلت: يعني في الآخر دخلتوا الناس من غير تذاكر!
قال: هنعمل إيه بس؟ العدد كبير وكل واحد جاي مع صحابه واخواته .. الخ.
في تلك الأثناء كان منير يقول من أعلى خشبة المسرح: "أنا معاكم للصبح.. أنا مبسوط بالعدد بصراحة!"..
--- فاصل ---
حينما كنت بالداخل وقبل حضور منير، كان بعض الشباب النوبيين يغنون أغاني منير بحماسة شديدة، بينما تتعالى صيحاتهم من وقت لآخر "الصحافة فين.. النوبيين أهم".. بينما ينظر إليهم من حولهم من أصحاب البشرة الفاتحة بكراهية شديدة!
بعد قليل سمعت أشد الشباب النوبيين حماسة في الرقص يقول عبر الهاتف: "أيوة يابني.. حاول تدخل، أنا دخلت جري من غير تيكيت!" وبعد عدة دقائق كان أصدقاء ذاك الفتى يبحثون له عن "سيجارة ميريت" لأنه "دماغه عليت ومش راضي يشرب غيرها!!".
--- ---
في الخارج وبالقرب من سوار الحفل، وقفت مستمعا لمنير.. ومتفرجا في الوقت ذاته على عشرات الشباب الذين كانوا يدخلون عدواً من بوابة الأوبرا متجهين نحو الحفل..
حاولت أن أبحث عن شاشات العرض التي قرأت في الجرائد أنها ستكون موجودة، لكن لم أجد سوى الشاشة التي رأيتها في الداخل خلف المسرح.. لعنت في سري منظمي الحفل وتمنيت لهم "حرق الجتت".
قبل نهاية الحفل بنحو نصف ساعة فتحت الجماهير فرجات في سوار الحفل وترك الأمن الحبل على الغارب لم يريد أن يدخل من كل المنافذ..
داخل الحفل قرب نهايته.. الفرنسية قدرت عدد الجمهور بـ 60 ألفا ..
لا أعرف لماذا لم أستمتع بالحفل كما استمتع به آلاف غيري، ولماذا لا أكف عن الطرح السؤال: ماذا يعني كل ما سبق؟
عندما يغني منير يسكت الجميع، أو هكذا يبدو لي.. أنا أحترم مشوار الفنان محمد منير للغاية، وأظن أنه واحد من قلائل يعدون على إصبع اليد الواحدة يمكن أن يسموا (فنانين) أو (مطربين) خلال الثلاثة عقود الماضية.
عندما يغني منير – الذي تعرفت على أغانيه في سن كبيرة بسبب الغربة – تتذكر ملامح وطن، وتتذكر – كما يقول هو – واحد من محاربي الفن مثلما حارب جيله بالسلاح في 73.
لكن لا يمكن لي أن أفصل بين ماشاهدته من جمهور الحفل، وبين منير الفنان.
أعي مبدأيا أن الأمر أكبر من منير، وأن مشاكل الجيل هي أزمة وطن بأكمله، وطن تتحكم فيه أجهزة البوليس – حتى كما ظهر في التنظيم الفاشل الحفل – وأفسد كل حس ووعي.. وأؤكد أيضاً أن النماذج التي ذكرتها ليست هي كل جمهور منير، وكان هناك الكثير من الأسر والشباب المحترمين في الحفل.
لكن لا يمكن في النهاية أن أفهم المسألة بمعزل عن أزمة الفن و"الإنسان" "والفنان".
لماذا لم تغير "إيه يا بلاد ياغريبة عدوة ولا حبيبة" التي غناها منير منذ ربع قرن، وغناها في هذا الحفل، لم تغير شيئاً في نفوس مستمعيه.. بعد أكثر من ربع قرن؟ هل فقط لأن الدولة ظلت – أو ازدادت بوليسية – أم لأنه كفنان غير محسوب على السلطة لم يتخذ المواقف التي يمكن أن يتخذها شخص بحجمه ومكانته؟
وعندما يغني منير "عدى النهار" أمام جماهيره، التي كتبها الأبنودي وغناها عبد الحليم بعد نكسة 67 بينما لا يتخذ هو موقفاً سياسياً واضحاً من "النكسات" المتتالية التي تتعرض لها مصر الآن فماذا أستفيد سوى الاستمتاع بالأغنية ثم الاندماج في تروس النكبة؟
هل "قلب الوطن مجروح" لأنه محكوم بالحديد والنار والزواج الكاثوليكي بين السلطة والمال؟ ولو كان كذلك فلماذا يقول منير في حديث صحفي سابق أنه فخور بالغناء أمام الرئيس مبارك؟
وفود بدأت تدخل عدواً بين حين وآخر من بوابة الأوبرا الخارجية
برغم اكتظاظ الحفل في الداخل وعدم وجود أماكن
برغم كل شيء يظل منير الأفضل.. وأحد معالم الأغنية الوطنية حديثاً .. لكن الوطنية التي رأيتها في الحفل ليست سوى كلمات يرقصون عليها.. سواء لأنهم مخدرون بفعل "الحشيش"، أو مغيبون بفعل عصى البوليس..
لست من أنصار اليوتوبيا ولا أؤمن بالنماذج الكاملة.. لكن ما أطلبه من الفنان ليس الكمال ولكن السعي نحوه.. كلمة منك إلى هؤلاء ستغير الكثير.. وحتى تقولها سأظل أتساءل: ليه تسكت زمن يامنير؟
-----------------------------
ملاحظة: خلال البحث على الإنترنت وجدت تجربة مماثلة كتبها أحد محبي منير في منتدى قلعة الكويت، تعليقا على حفلة العام الماضي.