طالب في حالة التباس!!
يعيش معظم الطلاب المصريين – الذين أفخر بأن أكون واحدا من هؤلاء العباقرة – في حالة دائما من الالتباس والتذبذب.
في أحد تحقيقاتي الصحفية، كنت آخذ جولة لأتبين رأي طلاب الجامعة عن الحكومة الجديدة وطموحات الشباب، وكان أحد الطلاب في كلية الحقوق حانقا للغاية، فقال لي صديقه الذي يجلس بجواره في مزحة: محمد طالب من هواة الدراسة "يقصد أنه رسبَ عدة مرات" ، وتكلم محمد في تشاؤم – أو ربما بموضوعية في الحقيقة – قائلا: أنا لا أريد أن أخرج من الكلية، قل لي ماذا سأفعل إذا خرجت منها ؟! بالعكس أنا في الكلية أفعل ما أريده، وأشتغل أيضا!!
نظرت له، ولم أحرْ جوابا . . وإن كنت غير مقتنع تماما بتلك النظرة التشاؤمية، لإنني أعرف – برغم الحال الموكوس للبلاد – أن من جدّ وجدْ ومن زرع حصدْ. .
الطب وسنينه. . اتفوخص!!
المهم، أنني أعيش هذه الأيام حالة من العذاب والصراع النفسي، وفي الحقيقة هذا الصراع ليس جديدا .. فهو موجود منذ أن وطأت أقدامي أرض كلية القصر العيني .. أو "معتقل" القصر العيني .. وتزايد في السنة الأخير بشكل كبير.
ولا أدري حقيقة سرّ أن تكون الدراسة في الكلية طويلة بهذه الدرجة، حيث يعرف المصريون أن الدراسة تمد لـ 6 سنوات دراسية وهو ما يعادل 6 سنوات ونصف تقريبا .. لإن السنة السادسة "البكالوريوس" تمتد لسنة ونصف !!
المصيبة أيضا أثناء الدراسة، وهو ما تعرفه العائلات المنكوبة بأبناء في كلية الطب، أن امتحانات آخر العام تنتهي في منتصف شهر يوليو !! وهو ما يجعل العطلة الصيفية أقصر ما تكون !! وأحيانا يعز على الأساتذة الفضلاء في الكلية أن يتركوا الطلبة في حالهم، فيقرروا بدأ الدراسة قبل ميعادها المحدد من الوزارة بأسبوع !!
وبعد مأساة الـ 6 سنوات ونصف، يجيء عام التدريب العملي "سنة الإمتياز" .. وبعد 7 سنوات ونصف في المعتقل، لا يحق لك أيضا أن تمارس الطب في عيادة خاصة بك، لأن القانون لا يسمح لك بفتح عيادة إلا بعد دراسة الماجستير على الأقل . . وهو ما يحتاج لـ 3 سنوات إضافية على الأقل.
مؤامرة عالمية!
جزء من مصيبة طلبة الطب، تبدو "كونية – عالمية" حيث يبدو أن أساطين الطب اتفقوا - أين لا أدري – على أن يكون الطب الكلية الوحيدة في العالم أجمع التي تمتد لست سنوات، لكننا لن نسامح الإدارة المصرية على إطالة السنة وتقصير العطلة الصيفية بهذا الشكل، ولن نسامحها أيضا على كون السنة السادسة "سنة ونصف" .. وهو ما يجعل طالب الطب مادة "تريقة وتندر" عند طلاب التجارة وآداب!! وفي النهاية تخريج ما يسمى "ممارس عام" لا يسمح له بممارسة الطب!!
في النمسا مثلا - والدول المتقدمة على رأي فيلم الإرهاب والكباب - يتخرج الطالب أيضا بعد 6 سنوات، لكن على الأقل يتخرج بشهادة البكالوريوس + ماجستير في تخصص يختاره من بداية السنة الرابعة..
بينما يتخرج الطالب في مصر بدون تخصص!! 7 سنوات ونصف بدون تخصص!! وهو ما يضيف لمعتقل الطب مأساة أخرى!!
ولأنني – سبحان الله لا أعرف كيف – من الطائفة التي تسمى "الأوائل" على الدفعة، رغم أنني لا أحضر الكلية كثيرا – كما يعرف أهل سكشني، ولا أذاكر كثيرا كما يعرف أهل بيتي - فإنني غالبا موعود بسنتين إضافيتين من الاعتقال بعد التخرج، فيما يسمّى "التعيين أو النيابة" . . حيث يبدو أن الكلية تقرر عقاب الطلبة المتفوقين على تفوقهم باعتقال الطالب عامين زيادة عن باقي الطلبة، ولا يرى هذا الطالب المسكين بيته خلال هذين العامين إلا مراتٍ قليلة في الشهر !!
وقد يحتمل الطالب هذا كله، من أجل حبه للطب، أو حتى من أجل الحصول على مركز مرموق في المجتمع، وهو ما يصبرني قليلا على هذا الابتلاء . . لكن الغير محتمل أن تكون موهوبا في مجال آخر، يشهد لك الجميع فيه بتميزك. . ثم تكون الدراسة والتفوق عائقا أمام العمل في ذلك المجال!!
قصة الأزمة
بدأت القصة تتأزم أكثر – لم أكن أعلم ساعتها أنها تتأزم – عندما اتصل بي أ. أحمد نصر الدين مدير تحرير موقع عشرينات وقتها، وكان ذلك في نهاية العام الماضي قبيل امتحانات آخر سنة ثالثة، وطلب مني أن أذهب لأجرب العمل معهم في كصحفي هناك .. بالطبع كنت سعيد، وعرفت قيمتي أكثر. . لكنني اعتذرت له في تهذيب وقلت: بعد أن أنتهي من الامتحانات، فسألني عن موعد انتهائها فقلت له: شهر يوليو . . فصرخ في التليفون من فرط الدهشة ..
المهم ذهبت في الأجازة، لكنني لم أعمل طويلا هناك لأسباب ما، وإن كان المكان يعجبني والموقع يستهويني.
وكان قراري أن أقوم بتأجيل مادة "الباثولوجي" لامتحنها مع طلبة الدور الثاني، واكتشفت بعد ذلك أنه أحد القرارات الخاطئة في حياتي، المهم اتصل بي أ. عبد الجليل الشرنوبي رئيس تحرير موقع إخوان أونلين قبل الامتحان بـ 20 يوم . . وطلب مني أن أذهب للعمل في قسم الشباب هناك. . ولكنني للمرة الثانية رفضت في تهذيب، وقلت له بعد الامتحان . . فقال لي مرحبا بك وتعالى بعد الامتحان كما تحب.
بعد ذلك بدأت الدراسة . . وأنا أصلا أعمل في موقع جامعة القاهرة "كل الطلبة" بشكل أساسي .. وفكرت في ألا أذهب، لكن الأقدار لم تتركني في حالي، بعد 3 شهور من بدأ الدراسة، اتصلت بي أحد الصحفيات في مجلة "صناع الحياة" .. طلبت مني أن أكتب مقالا أو تحقيقا للمجلة كل شهر في كل عدد . . ووافقت ونشرت .. بعد ذلك بأسبوعين، ذهبت لموقع إخوان أونلين . . اكتشفت أن الأمور بدأت تطور لتأخذ صورة أكثر جدية. .
صحيح ليس مطلوبا مني أن أذهب كل صباح للعمل، حيث أن معظم عملي في المنزل، لكن الأمور أصبحت محددة بتحقيقات معينة، في أوقات معينة. . مطلوب تسليمها.
منذ فترة قليلة، اتصلت بأي أحد الزميلات الصحفيات، طلبت مني أن أظهر في أحد البرامج الفضائية في قناة الرسالة، بصفتي صحفي إلكتروني، لكي أتحدث عن "البلوجز - المدونات الشخصية" . . حاولت الاعتذار لكنها كانت مصممة، قلت لها سأتصل بأصدقاء أفضل مني للظهور في البرنامج فأعطتني فرصة قليلة، اتصلت بصديقين لكنهما مشغولان في ميعاد تصوير البرنامج. . لم أجد بديلا أن أوافق . . وافقت وذهبت.
بعد عدة أيام، اتصلت بي نفس الصحفية، تطلب مني أن أعمل في موقع "يلا طلبة" . . وكان ردي المبدأي أنني "مازلت في المعتقل" وليس بوسعي أن أقوم بكل هذه المهام وأنا طالب، عندي معتقل صباحا، ومذاكرة مساءاً !!
الإجبار الممتنع!
تكمن الأزمة النفسية، في أنني لم أدخل الطب عن اقتناع .. لكن الطب – كما يقولون – يضمن لك دخلاً أكبر وبالتالي حياة أفضل ومستقبلا أفضل .. !!
صحيح أنني لا أستطيع أن أقول أن والدي "أجبرني" على دخول الطب، لكنه مارس ضدي ما أسمّيه "الإعلام الموجه" . . فجلس يعطيني نشرات إخبارية حول مستقبل كلية اقتصاد وعلوم سياسية - التي أردتها – المضمحل، وأنني سأكون "مدرس تاريخ مش لاقي أكل" !!
وبالطبع للأنني في سنٍ صغيرة ساعتها، ولأن تعليمنا العربي المتخلف لا يساعد الطالب في تحديد موهبته، فقد قبلت – على مضض – برأيه وتركته يلصق بوستر كلية الطب في ورقة التنسيق.
ولإن الماديات صارت تتحكم في تفكير الناس، وفي أدق خصوصيات حياتهم، فليس لي من خيار سوى إكمال المعتقل .. وعندما أحاول أن أستشير بعض زملائي – الذين اعتبرهم مستنيري العقول – أجدهم يقولون لي أهتم بمذاكرتك ودع مجالا لاستخدام موهبتك "كموهبة" أو تسلية ، وليس كعمل. .
يا ولاد الحلال أنا ممكن أشتغل وبمرتب كبير في الشهر – بالنسبة لطالب ليس معه شهادة – لكن تقول لمين !! أنا نفسي ليس عندي الجرأة أن أترك هذا المعتقل اللعين .. بعد 4 سنوات من الاعتقال . . فربما أحب تخصص من تخصصات الطب العديدة، وربما أستطيع الجمع بين المهنتين: الطب والصحافة .. كما فعل يحيى الرخاوي وعصام العريان وحمدي قنديل وغيرهم كثيرون.
قصة أخيرة يعرفها - قبل نشر المقال - القليلون، أنني خرجت من أحد المحاضرات هذا العام، مكفهر الوجه، أوشك على البكاء، لكن بسرعة كان قطرات الدموع أسرع وأكثر تدفقا من أن أحبسها . . جريت حيث يمكن أن أجلس بعيدا عن أعين الناس، لكن أصدقائي – المغفلين – يبدو أنهم يحبونني فعلا . . جاء إبراهيم العريان يقول لي "مالك ؟! ماينفعش تفضل ساكت" . . مافيش ياعمي سبني في حالي . . لكن بسرعة لم أستطع أن أمنع ابتسامة .. إبراهيم العريان ابن الدكتور عصام العريان يمتلك كثيرا من روح الدعابة. . شكرا أيها الفتى . . لكنني مازلت مكتئبا!!
الحمد لله، الآن أشعر بتحسن كبير، المعتقل أصبح ساعتين فقط في اليوم، وأذاكر مادة واحدة في الشهر بسبب نظام الراوندات، المهم حتى ذلك الوقت، حتى أخرج من المعتقل . . أريد أن أعيش في سلامٍ نفسي .. لا أدري كيف . . ربما تكون هذه "الفضفضة" أحد الوسائل لذلك !!
وقوموا للمذاكرة يرحمكم الله!!

