في ذلك اليوم، قررت الإقلاع عن الهواية الأزلية التي يبدو أنها من "الإرث الثقافي" الإنساني الذي يدخل في نسيج تركيبة نفس كل بشري على سطح الأرض، أن يمارس كل أخ كبير "الغتاتة" على إخوته الأصغر .. وإن كانت تختلف درجة الغتاتة من غتت إلى غتت آخر!
أمس قررت أن أقلع عن الهزار السخيف مع أخي الصغير، حيث قرر أن "يخرج مع شلة من أصدقائه" ، وكان نصيبي إذن أن أكون أنا "حامي الحمى" و "البودي جارد" الذي يجرج معهم.
لم تكن الخروجه مخططة، لكني وجدت فجأة 3 أطفال في بيتنا، ولِما أنهم لم يكونوا يشبهوا أي أحد من إخوتي الأصغر، فقد استنتجت بذكائي المعهود أن هؤلاء أصدقاء أخي "أنس" في المدرسة..
آها ... دية بقى الخروجة اللي أنس عمال يتكلم عليها من أسبوع ومستني صحابه يجيوا عشان يخرجوا مع بعض ...
اعرفوا أنس
أنس أخي الصغير في الصف الأول الإعدادي الذي قدّر الله له أن يتنقل على كرسي متحرك، لو كنت تفقه شيئاً في الطب فهو مولود بـ Meningeo-MyeloCele وهي أحد الأمراض التي تنتج عن Spina bifida، عامة لا تشغل رأسك كثيراً المهم هي أحد الأمراض في العمود الفقري.
وبالتالي فهو مختلف عن بقية الأطفال، خاصة مع وزنه الثقيل، بالتأكيد لن يخرج بنفس معدل خروج بقية الأطفال، خاصة مع وزنه الثقيل الذي يصعب من مهمة حمله أو نقله أكثر وأكثر.
أنس أخي رأسه كبير بعض الشيء، لا أعني تشريحياً وإن كانت الجملة قد تكون صحيحة تشريحيا بسبب الـ Hydrocephalus الذي صاحبه لحظة الولادة، لكنني أعني هنا إن "عقله ناضج" إلى حدٍ ما..
لكن برغم ذلك، فهو "سايق الدلع" شوية ، إكمنه اتعود على كدا وهو صغير ، وكل طلباته مجابة ، عامة هوا إنسان ظريف ، خاصة لما يقعد مع الكبار، إذا عملتولي زيارة مرة في البيت هتحبوا تقعدوا تتكلموا معاه.. ويحيكلكم كل أخبار الكورة في الدنيا، من أول "اللعيب الكتيان" اللي اتباع من فريق المكسحين إلى فريق الموكوسين الموسم الماضي، لحد أخبار إسلام تري هنري، وإصابة رونالدينهو ..
سارة تاني .. يا ربنااااااااا
المهم، صحاب أخويا يلا نازلين، لازم تخش الست هانم "سارة" أختي الصغيرة في الموضوع، وتشبط في الخروج معاهم، وبدل ما كانت مهمتي الوحيدة إني أطلع وأنزل أنس ، هيبقى كمان مهمتي إني أستحمل غتاتة البنت الدلوعة، آخر العنقود ..
وعشان أعطيكم لمحة عن أختي الصغيرة آخر العنقود، اللي في تانية ابتدائي، اللي فرق بيني وبينها 14 سنة، وعن مدى "احترامها الشديد" ليّا ... مرة كنت بقولها إنتي المفروض تقولي لي: يا أبيه .. مش تندهي على اسمي حاف كدا !!
ففوجئت بها تقول: أبيه إيه .. دا إنتا حتى لسه دكتور عبيط مش بتعرف تدي حقنة!
هذه الجملة بالظبط، تعبر عن الطريقة اللي سارة "مربياني " بيها .. وبالتالي طبعا مقدرتش أعمل حاجة إزاء تصميمها على النزول معنا .. تعالي يا ستي !
نحو مؤمن .. الرحلة المثيرة
أنس كان عامل فيها راجل، وبيقولي إنتا توصلنا لغاية مؤمن "المطعم" وتسيبنا هناك، وبعدين تيجي تاخدنا ... لكن طبعا أنا عارف كمية المصايب اللي ممكن يبقى رقم بست أصفار، لو سبت أنس لوحده، لأ مش لوحده كمان، مع الشيطانة الصغيرة سارة..
والحمد لله لم نكن مضطرين لركوب مواصلات، فالمطعم بجوار بيتنا، عشر دقايق مشي، وفي الطريق تعرفت على أصدقاء أنس، واحد منهم كان شكله كبير، وهو محمود، والتاني متوسط الحجم "كريم" والثالث صغنن خالص "مصطفى".. حتى يخيل لك لو قابلته في الشارع إنه طفل في ثالثة ابتدائي مش أولى إعدادي.. حتى أنه كان في حجم المفعوصة سارة اللي في تانية ابتدائي.
وأول ما شفت مصطفى كانت لي فيه تخمين ونظرة، سأحكي لكم عنها الآن.
وبدأت أحكي مع رفقاء الرحلة، وسألتهم عن مجموعهم السنادي، ولم تخب نظريتي ...
مصطفى كان أكثر إنطلاقاً في الحديث، وقال لي عبد الرحمن الأول على الفصل، وأنا الثاني، ثم اشترك الثلاثة في صبّ اللعنات على ذلك "العبد الرحمن" الذي يقولون أنهم في قمة التكبر، وأنه لما مصطفى مرة طلع الأول عليه فضل يضايقه طول الترم ..
ثم التقط مصطفى مرة أخرى زمام الحديث قائلا: أنا ميهنيش أوي سنوات النقل، يعني بذاكر فيها كويس، بس مش لازم أطلع الأول يعني، لكن المهم في الشهادة زي السنة اللي فاتت طلعت الأول!
ما شاء الله يابني، ربنا يحفظك ، فاهم الفولة واللي فيها من صغرك... ومع اعترافي بصواب نظريته التي أتبناها ، لكني قلت له منافقاً: لأ لأ .. لازم تذاكر كويس حتى في سنوات النقل، عشان ما تتعودش على الكسل!
نظرية الذكاء = واحد على الحجم!
النظرية التي تثبت صحتها دائما لديّ، هي أن ثمة علاقة خفية بين قلة الحجم "أعني قلة حجم الجسد" وبين الذكاء، والعكس أيضاً!!
دائماً الطلبة المتفوقة في الدراسة والأذكياء تجد أجسادهم قليلة الحجم نسبياً، لا أدري لماذا؟! هل هو مرتبط بحاجة نفسية لإثبات التفوق والذكاء بديلاً عن نقص القوة البدنية؟!
والعكس في الأطفال البدناء ، الذين يشعرون بقوتهم البدنية، فلا يشعرون بحاجة لـ "تشغيل المخ" ؟!
ربما يكون ذلك التفسير النفسي صحيحاً، لكن ربما يكون أيضاً في الأمر علاقة عضوية بين نشاط المخ ونسبة الدهون مثلاً .. الله أعلم.. لكن عامة فكروني لما أتخرج إني أشتغل على إثبات هذه النظرية .. يمكن أخد نوبل!
بعد ذلك وصلنا المطعم، دعك من ظهري الذي أصابته شيخوخة مبكرة، من شيل أنس صعوداً ونزولاً على السلالم، ومن عامل تنظيف المطعم الأبله اللي كان واقف زي العبيط مذبهل مش عارف يعمل إيه، حيران يجي يساعدني ولا يسبني أتصرف، وهو موقف يتكرر كثيراً لما نيجي خارجين في البيت ومعانا أنس، وكأن البشر المتخلفين عقلياً عمرهم ما تعودوا يشوفوا إنسان قعيد بيمارس حياة طبيعية زي بقية البشر..
وكأن البشر في الدول المتخلفة، تعودوا في أذهانهم إن الإنسان الغير قادر على المشي دا إنسان منزوي ، لازم يتحط في ملجأ ولا مستسفى رعاية ، ويتساب هناك .. وطول ما إنتا ماشي في الشارع تزق قدامك إنسان قاعد على كرسي، تلاقي الناس المتخلفة بتبص لك بفضول – ليست شفقة غالباً – وكأن الكرسي المتحرك اختراع جديد لسه ما وصلش مصر لسه!
دا غير المشكلات الناجمة عن كونك إنسان تعيش في دولة متخلفة، حيث الرصيف ليس به "طلعات ونزلات" لذوي الاحتياجات الخاصة، زي الدول المحترمة، والمحافظة الوحيدة اللي شفت فيه "طلعات ونزلات" كانت إسكندرية ومش في كل الشوارع.
الطب مش عايز يسبني في حالي!
جلسنا أخيراً على مائدة الطعام، وسألت كل واحد عايز إيه، وذهبت لأطلب من البائع، وجلسنا في انتظار الطعام..
سألت أصدقاء أنس، على سبيل المزاح والاستكشاف، هوا أنس بيقعد إزاي بقى في المدرسة، أكيد بيقعد يصوت ويعيط .. ؟!! فانفجروا في الضحك .. وكأنني قلت نكتة!
بعد ذلك جاء الطعام، وبدا الجميع منهمكين في تناول الوجبة، وبدأت أتسلى معهم ببعض الكلام السخيف على غرار "إنتم بقى عايزين تخشوا كليات إيه"
وبعدين مصطفى مرة أخرى – مخيبش نظريتي – التقط زمام الحديث، وقعد يتحدث عن أخوه اللي في كلية الطب سنة ثالثة، وكيف إن الكلية طويلة جدا ومقرفة جداً ..
بس بس .. هتخليني أعيط، بتفكرني بمصيبتي يابني .. خليك حُنين شوية ..!!
لكن فعلا كانت دهشتي حقيقية حين أخذ يتحدث عن كلية الطب وكأنه "معتق" فيها، مش لسه عيّل في إعدادي، و "شرح لي" كيف إن النبطشيات في إمتياز بتبقى على طول ، والطلبة مش بتروح البيت، وإزاي الكلية طويلة، وآخر ناس بيخلصوا وياخدوا الأجازة هما بتوع الطب !!!
وإزاي هوا "اتعقد" منها عشان كل الحاجات دية، حسيت إني بكلم واحد في ثانوية عامة .. لكن طبعاً مارست النفاق مجدداً ، وقعدت أقوله يابني الكلية طويلة فعلاً بس الدراسة فيها أسهل من صيدلة .. "اللي عايز يخشها" ..
عامة كانت تجربة مثيرة رغم تأففي منها في البداية، وقررت إني أخد أنس في الأجازة كل شهر مرة في خروجة مماثلة، وشعرت فعلا بالسبب الذي يجعل هناك "انفصاماً وتباعداً" بين الأجيال..
فنحن لا نتحدث ولا نختلط ولا نتناقش طوال فترات التربية والطفولة، لا على مستوى الأباء مع الأبناء، ولا على مستوى الإخوة الكبار مع الصغار، ثم نجيء بعد ذلك نلطم ونشج الجلابيب حزناً على "العيال اللي مش متربية، واللي مبقيتش زي زمان" .. بينما المشكلة في الأساس نابعة من كسلنا وتجاهلنا لهم صغاراً.. فتحدث فجوات التفكير، ونصل للطريق المسدود حيث نشعر أننا لا يمكن أن نتفاهم.
بينما ساعة واحدة جلستها معهم نتبادل أطراف الحديث جعلتني أشعر وأفهم كثير مما يفكرون فيه ... وكذلك تعرفت على مصطفى!