السبت، يوليو 29، 2006

دقائق على الهواء في الجزيرة..

بالطبع أتمنى أن أقضي شهراً في هواء جزيرة هاواي، وعلى شاطئها، لكن هذا مقال آخر .. بالأمس كنت مرتدياً ثيابي لكن لا أحمل حقيبة سفر.. وإنما بضع أوراق .. حيث كنت متجها لجزيرة أخرى . . ما أتحدث عنه الآن هو قناة الجزيرة الفضائية التي أراها مشروعا قوميا عربيا يجب أن يعتنى به قبل أن "يحين عليه الدور" ..

قبل عشر أيام تقريباً اتصل بي صديقي الودود في الجزيرة من قطر، أحمد عاشور "يسار الصورة"، وقال لي أنهم يرغبون أن أتحدث في برنامج بصفتي مدون عن قضية لبنان..

كان لي تحفظات كثيرة أولها أنني لست خبير استراتيجي وأنا أصلا لا أجيد التحدث مثلما أجيد الكتابة، لكنه أفهمني أن البرنامج اسمه "صوت الناس" وسأتحدث بصفتي مدون فقط وليس برنامج تحليلي .. الخ .. في النهاية وافقت.

لذلك بالأمس الجمعة كنت ضيفاً في برنامج "صوت الناس" على الهواء مباشرة في قناة الجزيرة، حيث يدور الحديث حول الأوضاع الأخيرة في لبنان وفلسطين، تحدثت بالكاد دقيقتين فقط .. وكان لدي الكثير لأقوله لكن مقدمة البرنامج حرمتني من ذلك ..

قبلي كان الفنان عبد العزيز مخيون وجلسنا نتحدث قليلاً وكنت قد قابلته يوم الثلاثاء في ندوة .. لذلك كان يتذكرني.

في بداية وصولي لمكتب الجزيرة بالقاهرة، استقبلني الشخص المسؤول "أنور" .. وهو ودود للغاية ويبدو "مصرياً" كما ينبغي أن يظهر المصريون الأصلاء ..

كبير السن هوَ، بشعرٍ بيّضته السنون ولكن تركت بعض الخصلات السوداء التي تبرز لسانها لك وتقول "هييي .. أنا لست كبيراً للغاية .. انظر لي مازلتُ سوداء.. "

كان لطيفاً للغاية وقال لي في دهشة أول ما فتح الباب "تبدو صغيراً .. كنت أتخيلك رجلاً كبير بشعر وذقن و .. أي صورة للرجل الكبير" .. ابتسمت ولم أعقب ..

انتظرت حتى حان دوري، وبعد ذلك صليت المغرب مع الفنان عبد العزيز مخيون وتحدثنا قليلاً، وسلمّوني نسخة من الحلقة على شريط فيديو ثم انصرفت.

رحلة قصيرة .. كلمات قليلة تفوهت بها وكنت أتمنى أن أمُنح وقتاً أكبر للتحدث.. لكن عامة المذيعة قرأت مقتطفات من مقالي "حينما نعجز عن تصديق النصر" ..

قبل البرنامج أخذت رأي عدد من أصدقائي المدونين فيما يودون الإشارة إليه .. وأتمنى أن أكون وفقت.

في البرنامج سألتني المقدمة "هل تعرضت لمضايقات أمنية من قبل؟!"

قلت لها شخصيا لم أتعرض "حتى الآن" لكن معروف أن المدونات مراقبة من جهات أمنية .. وتحدثت عن الانتهاكات التي تحدث للمدونيين.

بعد أن خرجت .. اتصلت بي أمّي .. وقالتْ مازحة: "محدش ماشي وراك؟! "

الاثنين، يوليو 17، 2006

الخِصاء العربي.. حينما نعجز عن "تصديق" النصر!

تأقلمنا على الخصاء السياسي العربي، وتعودنا أن يبدو دائما كاشفاً وفاضحاً لمدى التهاون والتنازل بشأن كل الخطوط الحمراء في قضايانا المصيرية، بما يصل أحياناً لحد الخيانة أو على الأقل البلادة والبلاهة السياسية، وتعودنا مؤخراً ألا نتوسل أو نستجدي النصر أو المساندة من المؤسسات الرسمية العربية لصالح أي قضية عربية.

لكن الذي جدّ هذه المرة أن العرب حتى لم يعودوا قادرين على تصديق النصر حينما يحقوقونه!!! بينما تظل المناقشات تدور في فلسفة وسفسطة عجائزية حول "نعمل قمة ولا الموضوع ميستهلش" !

البلادة السياسية تتبّدى هذه المرة في أعتى صورها، إذ حينما تلوح في الأفق آماراتٍ لنصرٍ عربي وشيك، يبدو في حاجة لقليل من المجهود لكي يكتمل، نجد أن العرب - ليسو عاجزين عن الانتصار - إنما عاجزين حتى عن تخيل أنفسهم في موضع المنتصر والفائز!

بمعنى أدق: العرب عاجزون عن تصديق النصر!

آية ذلك أن المتابع والمحلل للأحداث، يرى بوضوح أزمة الكيان الصهيوني بعد عمليتي أسر الجنود في فلسطين ولبنان، وتماسك المقاومة في وجه العدوان الوحشي، وتحقيقها لمكاسب استراتيجية ونقلات نوعية كبيرة في مواجهة العدوّ، وكيف يمكن أن يتم ( ترجمة ) ذلك إلى نصر أكبر من خلال التفاوض، وبرغم ذلك يأبى العرب أن يصدقوا أن ثمة نصراً كبيراً تحقق، وأن ما عليهم سوى قليل من الحنكة الدبلوماسية والمهارة السياسية – لا العسكرية – لكي يكتمل النصر!

دلالات من قلب المعركة

وحتى لا يكون الكلام فضفاضاً عاماً ، نسوق فيما يلي عدد من الدلالات على مأزق الكيان الصهيوني ومدى سهولة إحراجه وتحقيق نصر ولو جزئي، فقط إذا توافرت الإرادة السياسية لذلك:

1 - عملية أسر الجندي التي نفذتها حماس مع فصيلين آخرين، كانت عن طريق نفق طوله 400 متر تحت السور اللا آدمي الحاجز، استمر حفره 3 أشهر ، وتمت مهاجمة الجنود في موقع عسكري يزعم الصهاينة أنه من أكثر المواقع تحصيناً ، وأسفرت العملية عن مقتل جنديين وإصابة 7 وأسر جندي واحد تم جره طوال النفق! (مقال فهمي هويدي في الأهرام بتاريخ 11 يوليو)
2 - شيمون شيفر – محلل بصحيفة ها آرتس الإسرائيلية – وصف رد فعل أولمرت بأنه (جُن جنونه).
3 - الجنرال زئيف شيف قال ( في ها آرتس 30/6/2006 ) معلقاً أن المنفذين أثبتوا أن لديهم قدرات كبيرة في جمع ملعومات استخباراتية فائقة الأهمية. (نفس المقال السابق)
4 - يعكوف بيري الرئيس السابق للشاباك أعرب عن دهشته (إذاعة الجيش الصهيوني 29/6/2006 ) من الجرأة التي ميزت منفذي العملية. ( نفس المقال السابق)

5 - براه ميكائيل، الخبير بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية والسياسية في باريس، أكد في حوارٍ ( نشر على شبكة إسلام أونلين 15/7/2006 ) أكدّ أن عملية حزب الله التي أسر فيها جنديين صهاينة من داخل الخط الأزرق لم تكن "مغامرة" وإنما مخططة ومحسوبة بدقة، وأكد أيضاً أنها تنبع من حسابات حزب الله الذاتية اللبنانية – الفلسطينية ، وأنه لا دخل للصراعات الإقليمية (إيران وسوريا وأمريكا ) بتوقيت العملية.

6 - نقلت وكالات الأنباء 16/7/2006 حالة الرعب الرهيبة التي عاشها مواطنو حيفا، بعد أن أوقعت صواريخ حزب الله 8 قتلى صهاينة و 25 جريحاً، ونقلت حالة المصطافين الذين تركوا الشواطئ عرايا هرباً للملاجئ، خاصة أن مدينة حيفا مليئة بالمصانع الكيمياوية التي يكفي تدمير واحد منها لإحداث خراب بالمدينة بأكملها!

7 - نقلت الجزيرة في نفس اليوم، إعلان الجيش الصهيوني أن صواريخ حزب الله قادرة على الوصول لتل أبيب.
8 - أحبط مقاتلو حزب الله عدة محاولات صهيونية للإنزال والتوغل البري في جنوب لبنان.
9 - دمر حزب الله بارجة بحرية صهيونية، وقتل 4 من طاقمها وهو ما يعد نقلة نوعية أخرى للمقاومة.

10 - نقلت وكالة رويترز 16/7/2006 عن مسؤول عسكري إسرائيلي قوله إن الصاروخ الذي أصاب البارجة لم تكن إسرائيل على علمٍ بامتلاك حزب الله له، كما نقلت صحيفة معاريف الإسرائيلية 16/7/2006 مخاوف بأن يكون حزب الله قد حصل على صواريخ مضادة للطائرات، بينما قال المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية أن قصف الحزب لحيفا يثبت أنه منظمة عسكرية كبيرة.

11 - برغم كل فارق القوة العسكرية، وترسانة إسرائيل، إلا أنها تقاتل عن بُعد بالطائرات والبوارج البحرية، وتخشى إلى حد الهلع التماس المباشر على الأرض، مع مقاتلي حزب الله وحركة حماس، فحتى في غزة، وبرغم توسع العمليات العسكرية الوحشية، إلا أنهم يخشون من مزيد من التوسعة إو إعادة احتلال القطاع، نظراً للتكلفة الجسيمة التي لا يريدون تحملها في حال الصدام المباشر على الأرض، ويعتمدون حتى الآن على الطائرات والبوارج.

12 - هذا كله قطرة من غيث، من الشواهد والدلالات على مدى فشل العدو في تحقيق أهدافه العسكرية برغم فارق الإمكانات المادية الهائل، لكن ثمة نقطة أخرى يجدر الإشارة إليها، وهي أن السياسة الإسرائيلية التي جاء بها أولمرت هي نفسها تقريبا نفس السياسة التي يجيء بها كل رئيس وزراء جديد لإسرائيل، فهو لا يتعلم من دروس سابقيه أن الضرب لن يقتل القضية، ويحاول أيضاً أن يجني بعض التأييد الداخلي من خلال توسيع العمليات العسكرية ضد فلسطين ولبنان، خاصة هذه المرة مع رحيل شاؤول موفاز كوزير للدفاع نتيجة للحسابات السياسية أثناء تشكيل الحكومة الإئتلافية الصهيونية، وقدوم عمير بيرتس كوزيرٍ للدفاع! وهو الرجل المدني الذي لا يملك الخبرة العسكرية الكافية، وهو نفس الحال بالنسبة لأولمرت الرجل المدني على خلاف سابقيه العسكريين.
وهي نفس النقطة التي أشار إليها عدد من المحللين.. الافتقار للخبرة العسكرية.

الكروت التي في أيدينا

محصلة الموقف إذن، أن لدى المقاومة 3 أسرى من الجنود الصهاينة، مستعدون للتفاوض بشأنهم وإبرام صفقة عادلة، تشمل الإفراج عن عدد معقول من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، بما فيهم كل النساء والأطفال.

هذا الاستعداد للتفاوض، قوبل بغطرسة إسرائيلية، وعمليات عسكرية موسعة، تجاوزت بكثير جداً قضية الجنود الأسرى، أكد خلالها العديد من المراقبين والمحللين أن تلك العمليات كانت معدة مسبقاً وقادمة عاجلاً أو آجلاً ، أسِر الجنود أو لم يُأسروا.

متلازمة الغباء والخِصاء والقزامة!!

جاء رد الفعل الرسمي عربياً، كما عهدنا من الساسة العرب، كلاماً معقولاً وموزوناً حول "ضرورة ضبط النفس" ، وخطورة "جر المنطقة إلى حرب غير مدروسة ولسنا مستعدين لها" وعهدنا أيضاً أن ثلة من المثقفين العرب قد خاضوا في الدفاع عن هذا الموقف، بعقلانية أو بدون، وكأنما كل قولة "لأ " لأمريكا وإسرائيل هي بمثابة إعلان حرب، وجال هؤلاء وصالوا في الحديث عن الدبلوماسية والسياسة، كطريق ( ما بعد حداثي ) لتحقيق المطالب ونيل الحقوق.

ولسنا الآن في إطار الجدل حول ضرورة التمسك بسلاح المقاومة ليس فقط كحق مشروع، وإنما كغطاء للأمن القومي العربي بأكمله، لكن لن تبني أرضية للمفاوضات مع الصهاينة دون أن "توجعهم" .. والآن ماذا حدث؟!

لمّا ظهرت وسطعت الفرصة لاقتناص نصر "سياسي" كما يسمونه، من خلال اللعب بأوراق الجنود الأسرى، وجدنا العرب يتنصلون من المكاسب، وغير مستعدين حتى للتفاوض! غير مستعدين لترجمة انتصارات المقاومة على طاولة المفاوضات!
تبخرت المهارات السياسية التي أوجعوا بها رؤوسنا ليل نهار في الصحف والتصريحات، وتبخرت الحلول الدبلوماسية التي يتدشقون بها كل ساعة، وبدا الجميع مرتعداً مرتعباً أمام إسرائيل وأمريكا، واقفاً يشدو تراتيل السمع والطاعة، غير مصدق للنصر الذي حققته المقاومة!

بدا العرب أقزاماً أمام إسرائيل، ثمّ ظهر خِصائهم حينما لم يفعلوا – ولو حتى الإجماع على بيان إدانة – لنصرة القضية، وأخيراً ظهروا في قمة الغباء والبلاهة السياسية حينما لم يحاولوا ترجمة النصر العسكري الكبير الذي حققته المقاومة إلى نصرٍ سياسي ولو جزئي.

بينما خرج
بيان وزراء الخارجية العرب - لم يدين حتى اعتداءات إسرائيل - ليعترف "بفشل عملية السلام" . . فإذا كان الساسة العرب لا يرون سوى السلام حلاً ، ثم يعترفون بفشله ، فهلا تكرمتم علينا وأفحمتمونا بماهية الحل الذي ترونه؟!

البيان الذي لم يتخذ أي قرارات سوى "اللجوء لمجلس الأمن" اعتبره المحللون بمثابة أزمة ديبلوماسية، على النحو السابق، هكذا عبّر د. وحيد عبد المجيد الخبير بمركز الأهرام للدراسات، واعتبر اعتراف الجامعة العربية بفشل عملية السلام، إفلاساً سياسياً للحكومات. (
تصريحات لإسلام أونلين 16/7/2006)

بينما تساءل المحلل د. حسن أبو طالب – الخبير في مركز الأهرام للدراسات – ألا تملك مصر من علاقاتٍ مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الدوافع والإمكانات الدولية ما يمكنها من أن تكون بوابة لوقف التصعيد وتسوية قضية الأسرى الإسرائيليين في مقابل الإفراج عن عدد معقول من الأسرى الفلسطينيين؟! (
مقال بجريدة الأهرام 15/7/2006).

الإرادة غائبة.. والخبث متوافر!

الإرادة العربية في تحقيق أي نصر، حتى لو بطريق التفاوض، تبدو غير متواجدة على الإطلاق، إما بسبب متلازمة الغباء والخِصاء إياها ، أو – من أسفٍ – بسبب حسابات سياسية داخلية، تقترب من الخيانة، وتهدف في الأساس إلى تحجيم صعود الإسلاميين في المنطقة.

فعلى الصعيد الفلسطيني، بذلت جهات معروفة تنتمي لحركة فتح، المحاولات المضنية لمحاصرة حكومة حماس منذ أول يوم لإعلان نتائج فوزها، ولا يتسع المقام هنا لسرد كل تلك المحاولات، لكن فقط نسلط الضوء على الأزمة الأخيرة حيث كتب الأستاذ فهمي هويدي في مقاله بالأهرام 11/7/2006 مفنداً عملية تدمير غزة تفنيداً دقيقاً، حين أشار إلى دور المؤامرات الداخلية، ورغبة بعض القياديين في فتح أنفسهم بإطلاق المجال أمام إسرائيل لتدمير حكومة حماس، وفض الالتفاف الشعبي من حولها، بعد أن فشلت محاولات أبو مازن في حلّ المجلس النيابي، وإعادة إجراء انتخابات مبكرة، لذلك بدى ( الاستجداء بإسرائيل ) – وآسف لاستخدام هذا المصطلح المؤلم – هو الحل عند أبو مازن والقيادات الأمنية في جهاز الأمن الوقائي، الذي كان يجري محموماً لمعاونة إسرائيل في إيجاد المستوطن الذي اختطفته ألوية الناصر صلاح الدين!!
الحكومات العربية بدت أيضاً مبتهجة ومستعدة للتعاون في محاولة إفشال حماس، لدرجة أن المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية تباهى في تعليق بثته قناة الجزيرة بأن حكومة حماس معزولة!

أمّا على الصعيد اللبناني فحدث ولا حرج، التصريحات العربية خرجت "صريحة" ومعبرة عما يدور في مكنونات "الأشقاء" العرب، حينما كشفت – وفضحت – عن عدم استعداد الحكومات العربية لبذل أي مجهود "ولو تفاوضي" لنصرة المقاومة، وهو ما يكشف عن رغبة مبيتة في إفشال الإسلاميين.

لست أدري كيف يذهب البعض إلى تفسير عملية حزب الله على أنها جاءت في إطار لعبة إقليمية دولية، بما يعني أنها جاءت قبيل اجتماع الثمانية الكبار في بطرسبرج، وقبيل اتخاذ قرار بشأن نووي إيران في مجلس الأمن، أي أنها لعبة إيرانية – سورية لدق ناقوس الخطر لدى أمريكا وإعادة التفكير في فرض أي عقوبات على إيران.

أذهب إلى القول بأن ذلك التحليل كان سيشهر في أي وقت تجيء فيه عملية حزب الله، إذ أنّ الاتهامات لحزب الله بخدمة أجندة إيران – وليس لبنان – لم ولن تكون جديدة، لكن الحقيقة أن العملية جاءت في الوقت المناسب فعلاً ، وتدل على أنه قرار ينبع من داخل حزب الله، وليس من إيران.
لاحظ كيف قلت المجازر اليومية بحق الفلسطينيين إزاء رعب إسرائيل على الحدود الشمالية، كما أن حسن نصر الله أشار للعملية في عدة تصريحات صحفية سابقة، وحسناً فعل حسن حينما لم يبلغ الحكومة اللبنانية – الغير قادرة على اتخاذ قرار حماية أراضيها – بقرار العملية، في حربٍ كرامة أخذت فيها حركات المقاومة دور الحكومات، ليس فقط في المقاومة، وإنما في الخدمات الجماهيرية صحية وتعليمية واجتماعية.
لست أريد أن أطيل في هذه النقطة، إذ أجد في تحليلي كلٍ من
محمد جمال عرفة وبراه ميكائيل ما يكفي لإثبات "لبننة " قرار حزب الله .. وليس إيرانيته.

دور ريادي إعلامي يستحق الإشادة

لا يجب أن يفوتني قبل النهاية أن أشيد بالدور الريادي الذي تلعبه قناة الجزيرة حاليا، في نقل الحقيقة وتعبئة مشاعر الأمة، أخيراً نجد الإنحياز الموضوعي لقضايا العرب، والتجاهل المستحَق لوهم وسفسطة "القيود المهنية" و "الحيادية" التي باتت عائقاً عن نقل الحقيقة في كثير من الأحيان.. الحيادية تعني أن أنقل الصورة كما هي، لا أن أتدخل لكي أوازن بين وجهتي نظر فتظهرا متساويتان كما يحدث في العديد من البرامج.
لاحظت أيضاً في متابعتي لعدد من الصحف الحكومية أن معظم مقالات الرأي جاءت مؤيدة لموقف حزب الله، وأتمنى أن يستمر هذا الموقف.
في تصويتٍ على موقع الجزيرة شارك فيه أكثر من 137975 شخص كان السؤال "هل ترى في مواجهة حزب الله مع إسرائيل" : واختار أكثر من 91% من المشاركين "مقاومة مشروعة" بينما اختار الباقون "مغامرة غير محسوبة" .. وبرغم التحفظ البحثي على نتائج تصويتات الإنترنت، إلا أن الفارق الشاسع يكفي للكشف عن حجم التأييد الذي يلقاه موقف حزب الله والمقاومة في الشارع العربي.

لم يطلب أحد من القادة العرب فتح جبهات قتال، أو إنزال بري أو هجوم جوي، وغاية ما كنا نأمله أن يقتنص السادة الفرصة للضغط الدبلوماسي وإعادة إسرائيل لطاولة المفاوضات لتسوية قضية الأسرى تسوية عادلة، لكن تأبى الأنظمة العربية إلا أن تثبت فشلها وانبطاحها .. وتفوت فرصة كبيرة للنصر.

على العرب أن يدركوا أن الحرب الدائرة الآن هي حرب لإعادة قوانين اللعبة، لنزع سلاح حزب الله، وإضاعف وشل حركة حماس، وساعتها سيدرك العرب أنهم صاروا عرايا، وسيتساؤلون عن الأيام الخوالي حينما كان حزب الله وحماس يعطلان سرطان الكيان الصهيوني الراغب في التوسع والتمدد عبر كل الشرايين الممكنة.

لكن مازالت الفرصة مستمرة، والمراهنة على سواعد المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وحسناً فعل نصر الله في
خطابه المتلفز 16/7/2006 حين ختمه قائلاً أنه لن يستجدي أحداً أو يناشد أحداً للقيام بدوره، وإنما فقط يضع الشعوب الإسلامية أمام مسؤولياتها ... لذا أجد نفسي خاتماً للمقال بالدعاء: رحماك يارب العباد!

الخميس، يوليو 13، 2006

فرصة كبيرة للمكسب.. إذا تحرك الإخوان

لا يحق لنا أن نطالب المقاومة الفلسيطينية واللبنانية بأكثر مما فعلوا إذا لم نتحرك الآن، والجو يبدو مهيئاً للغاية .. ضربات حزب الله أنعشت الآمال، وثمة فرصة مواتية كبيرة لكي يقذف الشارع العربي بالكرة في مرمى العدوّ ..

المعطيات كالتالي:

أ‌- الوضع الغربي: كما هو لم يتغير ، بوش يدافع عن الصهاينة على طول الخط بلا حياء، وأوربا رغم أنها أقل حقارة لكنها أيضاً لن تكون فاعلة في تهدئة الوضع، وفي الكواليس تدور الأمور للمعاقبة سوريا والضغط على الحكومة اللبنانية لإسقاط حزب الله للأبد.

ب‌- بالتالي المجلس الأممي يتحرك ببطئ لكي يعطي لإسرائيل فرصة كسر الإرادة اللبنانية، أما إذا نجح حزب الله في كسر إسرائيل، فسوف يتحرك مجلس الأمن بسرعة أكبر لإنقاذ إسرائيل وإصدار قرار وقف إطلاق النار.
هذه هي المعادلة التي يتم اللعب عليها الآن.

ج- الوضع الرسمي العربي في أسوأ انحطاط له منذ عدة سنوات، التحرك في الهوامش فقط ، وتحت سقف الضغوطات الأمريكية . .

الموقف الرسمي المصري – الطرف الأهم في المعادلة – متخاذل لأقصى حد، ثمة محاولات رسمية تصب برمتها في المصلحة الإسرائيلية أو ما نقرأه في صحافة الحكومة باسم "محاولات مصرية لتهدئة الأوضاع" .. وهو ما يعني مباشرة أن الحكومة المصرية تجري اتصالاتها مع إسرائيل لتخفف هجماتها في مقابل ضغطها على الجانب اللبناني الفلسطيني لتغيير مواقفهما والإفراج عن الجنود الأسرى.

لذلك – إذا كنا نأمل من حكوماتنا العربية شيئا – فعلينا أن نفكر في الحد الأدنى فقط من التفاعل، لن نتحدث عن فتح جبهات للقتال على الجانب المصري أو السوري أو الأردني، لكن فقط نتحدث عن سحب السفراء العرب من إسرائيل، تفعيل المقاطعة الاقتصادية رسمياً، قطع العلاقات الدبلوماسية ولو بصورة جزئية.

د- الشارع العربي: المعنويات مرتفعة الآن، بعد عملية حزب الله، لتعود القضية الفلسطينية الإسلامية مرة أخرى مثار جدل، ووقود مشاعر لدى رجل الشارع ، بعد عدة أشهر من سيطرة اللعبة السياسية الداخلية على هموم الشارع العربي، وبحثه عن الخلاص والحرية، ودفع عجلة الديموقراطية في وجه حكومات مستبدة.

لكن الشارع العربي لم ولن يتحرك منفرداً وهو دائما في حاجة لمؤسسات مدنية تحركه وتزيد تأججه .. لذلك أرى أن ثمة حل يتمثل في استغلال التحرك الشعبي للضغط على الحكومات العربية لأداء دورها – بالحد الأدنى الذي ذكرناه – لكي يتمخض ذلك عن دعم عربي عربي، وتوقف إسرائيل عن التحرك بكل تلك الغطرسة وموافقتها على تبادل الأسرى.

لكنني إذ أعول كثيراً على تحرك الشارع العربي، فإنني أؤكد أن الشارع لن يتحرك بمفرده، وعلى المؤسسات المدنية والحزبية وجبهات المعارضة تحريك الشارع.

تبدو مسؤولية جماعة الإخوان المسلمين أعظم وأخطر أمام الله وأمام التاريخ في تفعيل تحريك الشارع العربي في هذه اللحظة بالذات، من أجل الضغط على الحكومات العربية ونصرة القضية الفلسطينية ، والأمر أكبر من مجرد مظاهرة بعشرة آلاف في ساحة الأزهر الشريف يا إخواني الكرام ..

إن التحرك الذي أتحدث عنه – لكي يحدث التأثير المطلوب – يحتاج تحرك بالآلاف وفي عدة دول وليس محافظات ، ولا يوجد في الدول العربية جماعة تستطيع تحريك الشارع بالشكل المطلوب مثل جماعة الإخوان المسلمين.

لا يمكن التعويل على المؤسسات النقابية المهترئة والمتآكلة في الدعم المطلوب، ولا على الحركات الصغيرة ككفاية أو أحزاب المعارضة وحدها .. وإن كان اشتراك كل هؤلاء مطلوب للتكامل والتفاعل وإحداث الأثر السياسي المطلوب.

الجو مهيء تماما – من وجهة نظري – للشارع العربي للعب دور كبير لم يلعبه منذ عدة سنوات، والضغط على الحكومات العربية، والحصول على انتصار ولو جزئي .. للأسباب التالية:

أولا: الضغوطات الهائلة الداخلية على الحكومات العربية، بسبب تراجعها عن وعودها بترسيخ دعائم الإصلاح السياسي والتداول السلمي للسلطة، يحدث هذا في مصر ويحدث في اليمن وفي سوريا والأردن ومعظم الدول العربية.

ثانيا: بالتالي تبدو الحكومات العربية في حاجة ماسة لأية تحركات ترضي شعوبها ولو جزئياً ، لتخفيف وطأة الغضب الشعبي المتصاعد ضد الحكومات، وغالبا التحرك الخارجي نحو دعم القضية الفلسطينية اللبنانية سيكون أسهل كثيراً من أي تحرك نحو إصلاح ديموقراطي سياسي يطفأ نار الشعوب الغاضبة على السياسات داخليا وخارجيا.

ثالثا: الفائدة المرجوة ليس فقط تحقيق الحد الأدنى من الدعم الرسمي للقضية الفلسطينية اللبنانية، وإنما عودة التلاحم مرة أخرى بين الهم الداخلي والخارجي، بين استحقاقات الدمقرطة في المنطقة العربية، واستحقاقات الكرامة في مواجهة إسرائيل.

إذ في ظل الانغماس بالهم الداخلي ولذة الصراع من أجل الإصلاح السياسي، نسي البعض وتناسى البعض الآخر، الهم العربي الدائم المتمثل في القضية الفلسطينية، وتناسى هؤلاء أن ثمة علاقة وطيدة بين التدهور الداخلي والخارجي، بين المواطن المصري الذي يسحق بالأقدام لخروجه في تظاهرة، وبين الطفل الفلسطيني الذي تدك رأسه دبابة صهيونية.

العلاقة متوطدة ومتأصلة، والفصل بينهما محال، وثمة فرصة جوهرية للشارع العربي لاقتناص نصر فوري كبير إذا أجاد اللعبة، وقذف الكرة بالقوة المطلوبة.. فهل يفعلها؟!

الأربعاء، يوليو 12، 2006

عفواً.. عمرو على وشك النفاد!

لا أعرف في لغتي الحبيبة كلمة تضارع مصطلح الإنجليز Exhausted للتعبير عن حالة الإنهاك والتعب الشديدين، والترجمة الحرفية لهذه اللفظة هي ( مُستنَفذ ) ، لذلك من حقك أن تتخيلني الآن بطارية كبيرة – مستطيلة للموبايل أو إسطوانية للألعاب - سوداء اللون من فضلك زي إنرجيزر!- تتحرك على قدمين كسيحتين، وتلهث بشدة، وقد أوشكت طاقتها على التبدد!!

تبدد

حالة "التبدد" تلك بدأت مع الأسبوع الأخير من الامتحانات، وأي طالب على أرضك يا مصر يعرف كيف تكون حالة البني آدم في آخر مادة، من قمة الملل والرغبة في التقيء على الكتاب وركله بالشلاليت أو شد السايفون عليه والاستراحة منه للأبد، وخاصة عندما يبتليك الله بامتحانات لمدة 40 يوم مثل معتقلي كلية الطب!!

تدرج

عامة فعلت أشياء قريبة من تلك بالفعل، لكنها أيضا لم تشفِ غليلي .. واستمريت في " اللهُاث " وأنا أمني نفسي ببقعة ماء أراها على الأرض ألمحها في الأفق، لكن حينما وصلت بقعة الماء ( امتحان النظري ) اكتشفت أنها سرابية وهمية، فمازال هناك امتحاني العملي والشفوي ، وعليّ أن أحاول ( إصلاح البطارية ) لاستكمال المشوار!

لكن تلك المحاولات لا يمكن وصفها إطلاقاً بــ "الإصلاحية" ، حين تمسك البطارية لتعضها تحت أسنانك، راجياً أن يعطيها ذلك دفقة أخيرة من العمل، ولا يمكن أيضاً وصفها بـ "التدرج في الإصلاح" بدلاً من أن تسلك الطريق السليم "للتشخيص" ومن ثمّ تعرف سبيل العلاج الناجع، وهو إعادة شحن البطارية أو حتى استبدالها بأخرى جديدة.

"تهنج"

حالة ( التهنيج ) تلك كان لها أعراضها Signs & symptoms كما ندرس في الطب، فبالتأكيد أعزائي متابعي المدونة الذين أحبهم جدا "ماعدا طبعا ضابط أمن الدولة اللي بيراقبها" قد لاحظوا تذبذب دورية التحديث، وغياب الهم العام، وطغيان الجانب الشخصي على التدوينات الأخ يرة.
فبرغم ازدحام رأسي بعشرات الأفكار التي أريد أن أكتب عنها إلا أن الرسالة كانت تظهر دائما "عفواً .. البطارية أوشكت على الاستنفاذ، Publishing can't be completed" !

ما حاولت أن أفعله هو أن أنعش نفسي بعض الشيء، في انتظار امتحاني الشفوي والعملي للمادة الأخيرة، لكن بالطبع لم أستطع، وباءت المحاولات بالفشل.

بجانب هموم شخصية أخرى أرقتني وجعلتني ألعب دور مجافاة النوم في رائعة إحسان عبد القدوس ( لا أنام ) ، لكن أفضل ما فعلته أن قررت أن أقدم امتحان العملي لكي أدخله يوم الاثنين 10/7 بدلاً من يوم الأربعاء، وذلك لكي أتمكن من اللحاق بدورة مكثفة لحقوق الإنسان، وهي دورة منهكة للغاية استهلكت ما تبقى من البطارية فور انتهاء الامتحان يوم الاثنين.

لكن اللعب لم يبدأ بعد!

بالطبع لك أن تتخيل مقدار الجُهد الذي بذلته لكي أقنع والدتي بجملة على غرار ( من حق الإنسان أن يأخذ دورة في حقوق الإنسان في عطلته الصيفية ) ، لكن والدتي الطيبة أصرت على الاكتفاء بالاعتراف أن ( حقوق الإنسان من حق طلبة كلية الحقوق فقط! ) ولعمرُ الله إن هذا انتصار كبير أن أنتزع هكذا اعتراف من أمي ، ياعمي أي حاجة هو حد طايل!! دلوقتي حقوق الإنسان من حق طلبة حقوق ، بكرا يعُم الخير ويبقى من حق كل البشر أجمعين.

اللعب الحقيقي – بعد كل هذا – لم يبدأ بعد، فبعد "غضبة أمي" استيقظت من النوم في اليوم التالي لأعرف أنّ أخي أنس مريض، ولم أستغرق أكثر من دقيقة في النظر إليه لكي أكون تشخيص مبدأي عن حالته Provisional diagnosis..

واضح للغاية أعراض Hydrocephalus ارتفاع الضغط داخل الجمجمة Headache – vomiting – blurring of vision ، قيء وصداع وزغللة العين، أهلي يتمنون ويمنون أنفسهم أن تكون "نزلة برد" لا أكثر .. لكن دخلت لأبي وقلت ثلاث كلمات: بابا هذه ليست نزلة برد .. هذا انسداد في الـ Shunt.

والـ VentriculoPeritoneal Shunt هو صمام يركب في المخ يتصل بأنبوبة تصل للبطن، لكي يتم صرف السائل المخي CSF عن طريق هذه القناة الصناعية، بديلاً عن المصارف الطبيعية المسدودة، والتي سببت حالة الـ Hydrocephalus منذ الولادة.

هكذا قررت ألا أذهب للدورة اليوم، استرضاءً لأمي وانتظاراً لتحسن حالة أخي، لكنه لم يتحسن .. هكذا حضرنا الشنطة وانطلقنا على مستشفى عين شمس التخصصي، حيث قام بتركيب الـ Shunt من 11 عاماً.

بسرعة أخبرت الطبيب في قسم الطوارئ بحالته، ماذا تفعل أيها المستفز؟!! الحالة واضحة حفظتها 64476478 مرة في كل كتب الطب، ليست تحتاج توكيداً، طبيب المخ والأعصاب الشاب – يا حبة عيني – مكنش فاكر اسم MeningeoMyleoCele لذلك ( أنعشت ذاكرته ) وقام بكتابة التشخيص المبدأي، وذهبنا لغرفة الأشعة لعمل اللازم ... في النهاية قرر الدكتور أن إجراء جراحة Shunt في الناحية الأخرى من الجمجمة ضرورية لأن الـ Shunt الحالي أصبح قصيراً بالنسبة لطول جسده.

هكذا تراني مستيقظاً مع أهلي في المستشفى لمدة 24 ساعة، ثم عدت للبيت لأجد نفسي أكتب هذه التدوينة بدلاً من الاستراحة قليلاً والعودة للمستشفى .. وفي نفس الأثناء تجرى الجراحة لأخي في المستشفى.

ربنا يشفيه، سأذهب له ثانية الآن .. ولا أعلم متى سأتمكن من "شحن البطارية" .. ودعواتكم.

على فكرة:
هذه التدوينة لا تحمل أية ( إسقاطات سياسية ) ، فليس ذكر لفظتي ( الوهم ) و ( التبدد ) مقصوداً للإشارة إلى أي شيء .. وكذلك لم أقصد بـ ( عضعضة البطارية ) الحديث عن وهم التدرج في الإصلاح السياسي، كما لم أكن أقصد بتاتاً بتاتاً بالنقاش مع والدتي التلميح إلى اقتصار ( حقوق الإنسان ) على ( كلام مكتوب في الكتب وغائب عن التطبيق ) .. كذلك لم أشِر على الإطلاق إلى أن انسداد سُبل تدفق المياه المتجددة قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه!

وأخيراً .. لم أقصد بالعنوان أبداً وحياة ربنا أنّ ( الوطن على وشك النفاد ) !

ما تودوناش في داهية! ارجعوا للتدوينة وافهموا الكلام كويس وسيبكوا من Hyperlinks!

الخميس، يوليو 06، 2006

"ركلات حرة" على هامش المونديال!

ثمة اعتذار أدينُ به لـ "شيء" ما بعد كل هذه السنوات.. في الحقيقة أنا أدين بالاعتذار للكرة، تلك المسكينة المستديرة التي طالما أحببتها وأوسعتها ركلاً ونطحاً .. ولم يكن من طريق أخرى أعبّر بها عن حبي لها سوى أن أزيدها في الركلات!!

لم يكن من أمرٍ يدخل على نفسي السرور في الصغر مثل أن أمسك بالكرة وأقذفها هنا وهناك.. وكنت أتحيّن كل فرصة كي ألعبها.

فلاش باك

في بيتنا المتوسط المساحة – لما كنا خارج مصر – كنت أستعمل غالبا كرة بلاستيك، لأتقاذفها بين جدران المنزل وفي "الطرقة الطويلة".. لكن ظلت الكرة الحقيقية الـ Cover - اللي كفرت في عشتها مننا – هي الأثيرة إلى نفسي.

وأحياناً كنت آخذها إلى سطح البيت حيث أمارس بطريقتي الخاصة تعبيري عن شغفي بها – متفهمنيش غلط - حيث أتخيل أنني في أكبر ملاعب العالم والأنظار كلها ترمقني بشغف رهيب، بينما أنا أجري بالكرة مراوغاً وممرراً..

كنت أقوم بكل الأدوار في آنٍ واحد، فاستعمل الحائط "كزميل" أمرر له الكرة فيردها إليّ في إيثار، بينما أتحرك في كل الاتجاهات لأحرز الهدف، ثم أعود بالكرة في الاتجاه المقابل وكأنني الفريق المنافس الذي يبحث عن التعادل.
وأثناء كل ذلك، كنت أستعمل صوتي المرتفع مُعلقاً على "المباراة الحامية" ومشعلاً جوَ التحدي الذي أحب أن أعيشه.

وأحيانا كنت أفعل ذلك في بيتنا لكن تستوقفني بسرعة "صفارة الحكم" حيث يخرج صوت أمي صارخاً أنْ أوقِف ذلك "الراديو" الذي ابتلعته في فمك!

أما متعتي الحقيقية فكانت في حصة "التربية البدنية" التي تتكرر مرتين في الأسبوع، وهما – بالتالي وبالتأكيد – أفضل يومان لديّ.
حيث يتم تقسيم الفصل المكون من 18 طالباً إلى فريقان، لكي نلعب على ملعب المدرسة الكبير – واضح من الوصف أنني لم أكن في مصر طبعاً وبدون ذكر أسماء كنت في دولة أول حرف منها السعودية – وحينها كنت أثبت مهاراتي الدفاعية كلاعب خط وسط ارتكاز مدافع وصانع ألعاب متميز، وأحياناً حارس مرمى، ومتعهد ضربات جزاء وكل ما يحلو لك!

لقد علمتني الكرة..

ولأنّ الكل يحب أن يهجم، والكل يريد أن يحرز هدفاً حتى لو كان لا يفقه شيئاً في فنون التهديف، وفي ظل أنانية شديدة من معظم زملائي في الفريق، يتقدم معظمهم للهجوم، لكني لم أكن أتقدم حينما أجد ظهر ملعبنا خالياً عارياً ... حيث يربو خوفي على رغبتي في الهجوم، فأنا أحبّ فريقي ولا أريد للهجمات المرتدة أن تسحق مرمانا بالأهداف.. لذلك سأظل مرابطاً في الخلف!

أحياناً أقول لنفسي: ولماذا أربط نفسي في الدفاع؟! لماذا لا أبحث عن "الهدف" مثلهم ولماذا أكون أن الوحيد الذي يكون "قلبه على الفريق" ؟!
لكن بسرعة تقطع أفكاري الهجمات المرتدة التي أذهب لأوقفها إلى خارج الملعب ريثما يعود فريقي المتسكع في الهجوم!

علمتني الكرة إذن العديد من الدروس، أولها أنّ ليس كل من يظهرون في "الكادر" بالفعل هم أصحاب النصر الحقيقي، ثمة رجال آخرون، ربما أكثر مهارة وتضحية، يقبعون في الكواليس، يتحركون حيث لا تسلط عليهم الأضواء لكنّ دورهم أهم وأعظم.

علمّتني الكرة أيضاً قيمة العمل الجماعي، حيث كنت عصبياً بشدة في ممارسة الكرة، يهمني مصلحة الفريق، ومع أنانية أصدقائي يزداد احتراق أعصابي، لذلك فحينما تقرر "العمل الجماعيّ" عليك أن تنتقي من تعمل معهم، حتى لا تهلك نفسك وتضيع مهاراتك .. وتحرق أعصابك .. اختار من تتوافق معهم، ويفهمونك .. اختار من يغدو عملك معهم سيمفونية موسيقية، وإلا ستقع في مصيدة التسلل!

أذكر أنني أيضاً ذات مرة كنت أشاهد عمنا الكابتن ماجد، وفي عمق تركيزي اللامتناهي كان ماجد يقفز ليحرز هدف التعادل في آخر "فمتو" في المباراة.. قالت لي أمي ساعتها: "شوفت بقى يا عمرو قيمة الوقت؟!"

بالطبع آخر شيء يمكن أن تتعلم منه الدروس هو الأهطل ماجد، لكن أمي استطاعت أن تستفيد من ذلك الهراء الذي كنت شغوفاً به لكي تعلمني درساً لافكاك منه.

ولسه بتحبها يا قلبي!

بعد كل هذه السنين لم أعد أزور حبيبتي التي أوسعتها ركلاً وضرباً ، لم أعد ألعبها كثيراً .. لكن صدقيني يا حبيبتي، الحياة مليئة بالمشاغل، ناهيك أنني لا أجد مكاناً أمارسك فيه.

فالحكومة – بارك الله فيها – لا توفر حتى أماكن للشباب لمزاولة الكرة، وأقرب ملعب من منزلنا الساعة فيه بـ 30 جنيهاً .. ويجب أن تحجز مسبقاً بثلاث أيام .. وبالطبع لم يعد يصلح أن ألعب في الشارع أو السطح زي زمان.. وشكراً لمصر!

الركلة التالية ( أقصد الخاطرة التالية ) هي أنني اكتشفت أنني مازلت أعشق الكرة حقاً بعد كل هذا "الهجران" .. لكن الحاج صالح كامل – بارك الله فيه – استطاع أن يزيد من افتراقنا، والمرة الوحيدة التي جربت أن أتابع فيها المونديال من القهوة أصبت بالعمى من كثرة الدخان والسجائر التي يحرقها الجالسون – أو بالأحرى هي تحرقهم – وقررت ألا أغامر مرة أخرى بإحمرار عيني وتعفن رائحة ملابسي لأشاهد المبارايات.

لعلي قدمت الآن جزءًا من الاعتذار بأن ذكرتك يا "حمّالة الأسية" في مدونتي، لكن أجد نفسي في النهاية مديناً بالاعتذار للكرة المستديرة على هجرانها مع وعد بمحاولة بذل قصارى الجهد في أن "نظل على اتصال" .. لكن الآن صافرة النهاية!

الاثنين، يوليو 03، 2006

الأخضر كروديا المونديال!

ثلاث ملاحظات تبّدت – بالنسبة إليّ – من خلال متابعتي المتقطعة لمونديال ألمانيا 2006
أول تلك الملاحظات هي أن زين الدين زيدان أسطورة بحق.
ثاني تلك الملاحظات: أن كرة القدم والجنس هما نخاسة ما بعد الحداثة! "انظر كيف يباع ويشترى اللاعبون وكيف ترتبط دائما البطولات العالمية برواج تجارة الدعارة والجنس، وكيف يموت الأطفال جوعاً بينما يحمل أحدهم عدة كيلو جرامات من الذهب لأنه أحرز أهدافا أكثر"، لكن لهذا حديث آخر.
أمّا الملاحظة الثالثة: فهي تساؤل في الحقيقة: لماذا يتأهل المنتخب السعودي إلى المونديال؟! هل فقط لكي يتسبب في الفضائح المتاولية للكرة العربية؟!
المنتخب السعودي أثبت بجدارة أنه يستحق جائزة "كروديا المونديال".. بعد الخسارة من أوكرانيا 4 – صفر في المونديال الحالي، وخروجه من الدور الأول.

الحارس الشوربة!

ما يلي هو حقيقة كروية: الحارس السعودي "محمد الدعيع" هو أكثر حارس في تاريخ المونديال مُني مرماه بأهداف!
وعلى فكرة لم يكن هو الحارس في مباراة أوكرانيا الأخيرة، وإلا لحطمّ الرقم القياسي الذي سجله هو بنفسه من قبل! لكن يبدو أن الهزيمة في المونديال السابق من ألمانيا 8 – صفر ، ومن فرنسا 4 – صفر في مونديال فرنسا ، ومن أشبال البرازيل في كأس القارات بالمكسيك 8 – 2 لم يكن خطأ الدعيّع فقط وإنما الأخضر هو كروديا المونديال.

هذا برغم أنه الفيفا اختارته سابقاً عميداً لحارسي المرمى في العالم لأدائه 179 مباراة دولية.

ما استفزني أكثر هو تصريحات محمد نور، لاعب وسط المنتخب السعودي قبل المباراة، حينما قال: مستحيل نخسر أمام من خسر أمام أسبانيا بالأربعة!! وذلك في إشارة للمنتخب الأوكراني الذي سحقته أسبانيا أربعة.

وكذلك تصريحات "الدعيع" قبل المونديال لصحيفة الرياض، حول "استعادة هيبة الكرة السعودية في ألمانيا" ..
لكن أعتقد إن نور والدعيع أكيد نظراتهم تغيرت كثيراً مع كل هدف يخترق شباك الأخضر.. وبالتأكيد انتابتهم نوبة ندم شديدة على تصريحاتهم تلك!

اتشطروا على هيافستان!

برغم أن المنتخب السعودي منتخب شقيق، لكن أصبحت أتمنى ألا أراه في البطولات العالمية ثانية، بسبب "الفضائح" التي يتسببها للكرة العربية ..

فبرغم الرفاهية الشديدة التي يعيشها لاعبو المنتخب السعودي، وتوفير أفضل المدربين في العالم لهم، والوعود بالأموال والمكافآت الطائلة في حال أداء عروض جيدة والتأهل للدور الثاني، إلا أن السعودية دائماً تخرج بفضيحة من الكأس، فيما عادا كأس أمريكا 94 وهدف سعيد العويران الشهير في مرمى بلجيكا.

وفي الحقيقة فإن تأهل المنتخب السعودي كإحدى الدول الممثلة للقارة الآسيوية ، غالبا لا يعبّر عن ريادتها للكرة الآسيوية، لأنه أصلا لا يوجد كرة آسيوية!
فهي تنافس في التصفيات منتخبات دول على غرار نيبال وأذريبيجان وكازاخستان وتايلاند.. وهي دول لا يتوافر فيها الحذاء للاعبين، ناهيك عن حالة السل التي تبدو من صفات لاعبي الكرة هناك!

وإذا حاولنا أن نحصي عدد الدول اللي "ليها في الكورة" في آسيا فلن نجد بعد السعودية، سوى إيران واليابان وكوريا الجنوية "حديثاً" والأردن "مع الجوهري" .. ولذلك يبدو تأهل المنتخب السعودي طبيعياً آسيوياً .. لكنه "كروديا" مونديالياً للأسف!
بعد أن كتبت هذه التدوينة وجدت نفس الفكرة مكتوبة في موقع العربية ، وموقع الجزيرة .. والكل يتحدث عن "دلع لاعبي السعودية" وتدليلهم أكثر من اللازم.. ناهيك عن تدهور وتدني مستوى الدوريات الآسيوية بشكل عام.

الغريب أكثر إن منتخب دولة في أحراش أفريقيا زي "توجو" كان أدائها أفضل في المونديال، وهو ما يثير علامات استفاهم كثيرة حول ضرورة أن يتحفنا المنتخب السعودي بتأهله بعد منافسة شرسة – أقصد حمضانة – مع دول مينمار والفلبين ودول الكرودياستان.
وصباح الفل!