وطني حبيبي .. وطني "اتكور"!
كنت ومازلت أتوقف أحيانا أمام تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" لدول العالم حسب أفضليتها في اللعبة الأوسع جماهيرية في العالم.. حيث ألاحظ تصنيف مصر من بين دول العالم ومدى تقدمها عربياً .. وكذلك بقية الدول العربية.وإن كانت وقفتي تلك تنبع من متابعتي القليلة لكرة القدم، إلا أن لها سبب آخر .. وهو معرفة مدى "تقدمنا الكروي"!!
وهو ترتيب يزيدني حسرة .. ليس لأننا - لا سمح الله – متخلفين كروياً .. ولكن لأننا نحتل مراتب متقدمة جداً عالميا في الكرة، إذا ما قورن ذلك بمراتبنا في ميادين النهضة الحقيقية من اقتصاد أو علوم أو سلاح .. الخ
ففي تصنيف الفيفا لشهر نوفمبر 2006 حصلت مصر على المركز الـ 26 عالميا .. والأولى عربيا، وحصلت عدة دول عربية على مراكز متقدمة بين دول العالم التي تربو على الـ 195 دولة.
هي مفارقة كبيرة، تبعث في النفس الشجون، فأقول في نفسي كلما قرأت خبراً مماثلاً: ليتنا حصلنا على حتى نصف هذا التفوق والترتيب في تصنيف الجامعات الذي خلت منه كل الجامعات العربية، أو في تقارير الشفافية والفساد الصادرة عن الأمم المتحدة والتي تحتل فيها الدول العربية مصاف القائمة السوادء ..
بل والمفارقة الأكبر أن هذا الترتيب لا يرضي جماهير العرب العريضة، فطموحها في الكرة رائع جداً ولا يخبو ولا يكل ولا يمل، ولا أحد يثبط العزيمة مثلما نفعل في السياسة، فلا تجد مواطن يقول "ياعم إنتا عايز تصلح البلد" أو "ياعم ماهي البلد خربانة خربانة" وإنما في الكرة تجدهم طموحين، وثابين، متطلعين للمزيد .. لكأس العالم وبطولة القارات. وتجد الجماهير تزحف بالآلاف خلف فريقها لتشجعه، منفقة ملايين الدقائق والدولارات.
ثم تخرج تلك الجماهير في الشوارع في "مظاهرات" – ليس ضد قصف رقبتها وشل أرزاقها وسرقة أموالها – وإنما "مظاهرات" الغبطة والفرح بفوز فريقها فتتشح العواصم بلون الفريق الفائز.
وبرغم أن أوجه التشابه والمقاربة كثيرة بين كرة القدم وبين تجارة النخاسة وحلبات الصراع التي فرضت على العبيد في الإمبراطورية الرومانية وخلدها فيلم "اسبارتاكوس" الهوليودي وأفلام أخرى كثيرة، وبرغم أنني أقول دائما أن تجارة كرة القدم وتجارة الجنس هما نخاسة القرن الماضي والحالي، إلا أنني أقول لـ "مهاويس" الكرة ليتنا نهتم بأمور أخرى نصف اهتمامتنا بالكرة!!
وبالعودة مرة أخرى إلى هذا التصنيف، فإنني لست متخصص كروياً، وإنما أستطيع القول – من خلال مشاهدات عدة – أنه ضحك على "ذقون الشعوب" فهو ليس مقياساً حقيقياً لمدى الاهتمام الرسمي بالشباب والرياضيين في الدولة، وليس مقياساً لتوفير الأندية العامة ومراكز الشباب التي تحتضنهم وترعاهم، وليس مقياساً للفعل الرياضي الحقيقي في اتحادات الكرة والأندية .. وإنما هو مقياس لشيء واحد الأهداف والبطولات "الزائفة" وفقط. ومثلما غناها الشيخ إمام في أغنيته الخالدة "عم حمزة" قائلاً: رجعوا التلامذة ياعم حمزة للجد تاني .. يا مصر إنتي اللي باقية وإنتي قطف الأماني .. لا كورة نفعت ولا أونطة .. الخ.
وحينما حصلت مصر على "صفر المونديال" الشهير في سباق استضافة مونديال 2010 وسبقتها جنوب أفريقيا، انتشرت أغنية سجلها بعض الشباب تقول "وكات فضيحة كبيرة لما خدنا الصفر .. والصدمة كانت شديدة معقولة خدنا صفر، الناس في الشارع اتلحسوا .. واللي يكلم نفسه، والباقي حابس نفسه، معقولة خدنا صفر؟!"
وتستمر الأغنية "الوطنية" قائلة: "الناس عندها إحساس.. والحزن مالي الناس، وكلنا بيعيط .. يقولك مصر خلاص" "يامبارك اعملنا حاجة .. ياريس شوفلنا حل" "البعثة لازم تتحاكم .. يناخد بالقصاص، إديهم حكم نهائي.. الرمي بالرصاص" !!
تفاعل الشباب إذن مع تلك "القضية الوطنية" حتى غنو لها، لكن وكساتنا الأخرى لا تحتاج لأغاني، وهذه الأغنية كفيلة للغاية بالتعبير عن ثقافة "الكورة" و"التكوير" .. فنحن اهتممنا وتفوقنا – جزئيا – بالكرة، وتقاذفناها في المرمى، لكننا "اتكورنا"، و"اتقذفنا" في سلة المهملات في بقية المجالات.
وفي اللغة "قرطس" "يُقرطس" فهو "مُقرطِس" والمفعول به "مقرطَس" وبالعامية المصرية "اتقرطس" يعني اضحك عليه .. وحينما فكرت في أصل الكلمة فكرت إن "اتقرطس" يعني مثل الورقة القديمة لما تكورها بعنف وتقذفها على طول ذراعك في سلة المهملات.. لذلك فأنا أدعو لاستخدام "اتكورنا" بدلا من "اتقرطسنا" مواكبة للعصر.. ومع الاعتذار للأغنية المجيدة.. "وطني حبيبي وطني اتكور .. يوم ورا يوم خبته بتكبر".



