إلى متى "تستحمرنا" الصحف القومية؟!
لدينا في مصر تسع مؤسسات قومية تصدر كل منها خمس دوريات على الأقل، كلها من أجل تدجين العقول ومسح الجوخ.
كنت أحضر ندوة يحاضر فيها العميد السابق لكلية إعلام القاهرة وأحد أكبر العقول الصحفية في مصر ودعا بشدة إلى إنهاء ظاهرة الصحافة القومية.
ما مناسبة هذا الكلام؟!
مناسبته أنني فتحت جريدة الأهرام لأجد أربع أخبار في يوم واحد "هو السبت" من نوعية الاستهبال والاستخفاف بعقول المصريين..
الخبر الأول بالمانشيت العريض في مقدمة صفحة أخبار العالم "هيومان رايتس تؤكد تدهور أوضاع حقوق الإنسان في العالم" ..
ولم ترد أية إشارة في صفحات الجريدة عن تقرير نفس المنظمة "هيومان رايتس" الذي صدر أول أمس عن تراجع الحريات في مصر في 2006 .. "كتم كتم على الخبر!"
ثم في صفحة كاملة وبمنتهى الاستخاف بالعقول "3 أحزاب كبرى تناقش التعديلات الدستورية في حوار بالأهرام" .. ولما لم أستطع قتل فضولي الشرير في تصفح التفاصيل وتصيد الأخطاء "حلوة دية!" فوجدت أن الثلاث أحزاب هي الوطني والناصري والوفد .. وكلنا يعرف الحزب الوطني وحصوله على 30% فقط في البرلمان قبل ضم المستقلين، والناصري الذي ليس له من دون الله كاشفة، والوفد الذي لم يعد وفداً ولا يحزنون.
لا تتساءل أيضا لماذا يقتصر حوار "الأهرام" على هذه الأحزاب الثلاثة، ولا يوجد الغد أو المستقلون أو حتى مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية!
وبينما خصصت الأهرام ثلثي صفحة الحوادث في تقرير مليء بالكذب والتدليس عن أموال جماعة الإخوان (التي تشحت من القاصي والداني)، والهجوم على قناة الجزيرة، ولم تذكر أن الرئيس الأمريكي بوش بنفسه هاجم يوسف ندا وبنك التقوى في خطبة له، بينما أعطت كل هذه المساحة لفبركة أوهام عجيبة، نشرت تقرير في نفس الصفحة من نوعية الكذب الممجوج عن "سفاح المعادي" الذي نشرت صحيفة المصري اليوم تفاصيله من قبل، وحاولت الأهرام تلميع وتبرئة ساحة موظفي الداخلية من أي تقصير أو إهمال، واعتبار أن الصحف "تنشر الإشاعات وتفزع المواطنين" .. وزورت الحقيقة حينما قالت أن "4 فتيات فقط" تعرضن للاعتداء بينما الحقيقة أكبر من ذلك، كما لم تذكر "الأهرام" أن هناك فتاة من الضحايا توفيت نتيجة النزيف.
هذه عينة بسيطة من عملية الاستخفاف بالعقول ومسح المخ التي تقوم بها الصحف القومية، ولن أتحدث عن منع مقالات كاتب كبير مثل فهمي هويدي من فترة لأخرى لأنها "تتجاوز السقف" ولن أتحدث عن الفساد الإداري المستشري، فبرغم مئات الملايين التي تدخل ميزانية الصحيفة من كم الإعلانات الهائل إلا أنها تخسر! وتستمر في الخسارة! كيف؟! شم على ظهر إيدك تعرف!
الصحف القومية تموّل من جيوب الشعب ودافعي الضرائب طبقاً للقانون، وبالتالي يجب أن تكون معبرة عن كل قطاعات الشعب، لكن ما يحدث أبعد ما يكون عن ذلك.
وأعتقد أن الحل الأفضل ليس الحديث عن إصلاح هذه الصحف، أو تغيير قياداتها من فترة لأخرى، وإنما إلغائها تماماً وتحويلها لمؤسسات مستقلة لا تخضع للدولة بأي شكل من الأشكال.
دعوتي في 2007 هي: اللهم اعتقنا وارحمنا من الأهرام والأخبار والجمهورية.. اللهم احصهم عدداً ولا تغادر منهم أحداً!!



