لكنّ أمي لا تحب الجزيرة!

وبرغم أنني تخطيت الثانية والعشرين من عمري إلا أنني اكتشفت أن أمي مازالت تعتبرني قاصراً .. إذ نزلت لأقضي لها حاجة، وصعدت لأجدها قد أخذت اللابتوب وأخفته في غرفتها..
لم يكن ذاك الموقف إلا أحد إرهاصات الاختلاف المستمر من شهور، برغم ذلك نمت نكداً وأصبحت أكثر نكداً .. فما أكره أن أنقطع عن الإنترنت! وما أكره أن أشعر أنني مازلت مقيداً بعواطف أهلي وأفكارهم التي تربوا عليها ، بغض النظر عن كونها صواباً أم خطأ!!
نمت أتساءل: متى أصبحت أمي في ذهني شكلاً من أشكال السلطة؟!
وزارتني في المنام أطياف أفكار عديدة، لا.. أظن أنني لم أكن نائماً وإنما كانت هي فقط حديث النفس .. كلها سوداوية لعينة .. زادت من كآبة نومي وتقلباته فنمت كثيرا واستيقظت كأني لم أنم.
متى بدأت المشكلة؟!
بدأت حينما استسلمت لرغبة أهلي ودخلت القسم العلمي، ثم تفوقت واستسلمت لرغبتهم ودخلت كلية الطب، ثم تفوقت في أول عام وأصبحت ملزماً أمام ضميري قبل أن يكون أمامهم أن أحافظ على تفوقي هذا حتى لو كنت أتجرعه كلعلقم!
هل حقا هذه هي بداية المشكلة؟!
أم أن بدايتها يا ترى من زمن جدي وجدتي؟! الذين تربو في بيئة من القمع والكبت، وهكذأ نشأ أبي وأمي في بيئة متوارثة من القمع، الحاكم يقمع شعبه، والمسؤول يقمع مرؤوسيه، والأب يقمع أبناءه ورغباتهم ..
لماذا أعيش منذ أن ولدت لا أرى سوى رئيسا واحداً يحكمني، وحزباً واحداً ينهبني، ورغبة واحدة في منزلي هي رغبة أهلي لا رغبتي

لماذا نعيش دائما على المسكنات ولا نعالج جذور المشكلة؟! ولماذا ننظر للطب والهندسة تلك النظرة المقدسة العلوانية؟!
هل هذا أيضا نتاج الحكم الفردي المتسلط الذي وأد كل تقدم وأمل، وزرع البطالة والتخلف لكنه ترك متنفسا من الفتات يتنافس عليه المبرمَجون عقلياً على التنافس في الفتات؟!
أم أنها نظرة المجتمع المتخلف الأمي الجاهل، الذي ينظر للمهن الأخرى نظرة دونية وكأن "الداكتور" لديهم هو إله مقدس أو صنم يعبد..
توقفت كثيراً عند كلمة "داكتور" كما ينطقها البسطاء، ومدى تشابها مع كلمة "ديكتاتور" !! هل يا ترى هناك علاقة!
ولكن لماذا أنا أتجرأ وأعيش على طريقة باولو كويهلو ، وأصدق كلامه عن الأسطورة الذاتية وأعيش مع أحلامه وروايته لمجرد أنها باعت ما يقرب من 40 ميلون نسخة في العالم؟!
لم أستطع في النهاية أن أجيب عن السؤال، متى أصبحت أمي في ذهني شكلاً من أشكال السلطة؟!
لكنني تجاوزت الإجابة عن السؤال، وأخذت أستدعي شهورا من المفاوضات والنقاشات مع أبي وأمي، استطعت فيها انتزاع بعض الاعترافات والحقوق من خلال بعض المرونة التي أبدوها حيتما "اكتشفوا" أخيراً أنهم يخاطبون عاقلا!!
أخيراً اعترفوا أن لي الحق في ممارسة ما أريد طالما قمت بواجبي نحو "المذاكرة" .. ورغم أن مالهم عليّ من حق الوالدين هو التفوق "بمعناه الواسع من جيد جدا إلى إمتياز" إلا أنهم مصممون أن أقل من الإمتياز سيكون نكوصاً عن الحق، واعتراضا على "قدري" المتمثل في كوني "يجب" أن أكون طبيباً !!
اتفقت معهم أخيراً .. بعد مفاوضات مليئة بالضغط النفسي ، إذ لا أريد أن أوذيهم وفي نفس الوقت لاأريد أن أوذي نفسي وأقتلها .. ودشنا وثيقة "للتوافق الأسري" اتفقنا عليها ..
لكني رأيت أن نفسيتي لن تقوى على المذاكرة إلا إذا أشبعتها بما تحب، وقررت أن أعمل بجوار دراستي، وأعطي لنفسي مهلة أن أجرب .. شهر أو شهرين، هل أستطيع أن أوازن بينهما أم لا؟!
وسرعان ما أوقفتني "شخطة" من أبي، و "صرخة" من أمي .. أنك تضيع مستقبلك!! ستذهب بنفسك في ستين "داهية" !!
حاولت نقاشهم بالمنطق، وقلت لهم "دعوني أجرب" .. فوجدت أبي يقول: "أنت في فترة لا تحتمل التجريب! أنهِ دراستك ثم افعل ما بدا لك" !!
لا أدري لماذا ذكرتني هذه الجملة بمنطق سدنة السلطة عندنا حينما يقولون أن الشعب غير ناضج للديموقراطية، وسيختار الإرهابيين إذا أعطيناه الفرصة للاختيار!
المهم وبعد نقاش طويل عويص اتفقنا مرة أخرى على الخطوط العريضة، وذهبت تاركاً غرفة أمي وأبي أحمل كل الأفكار السوداوية معي .. وأفكر في اليوم الذي أنتهي فيه من هذه الكلية حتى أحصل على بطاقة هوية منفصلة عن هويتهم!!
وأمي لا تريدني أن أكون كما تريد هي فقط، وإنما هي أيضا ترى الصحف والكتب مضيعة للوقت "كام واحد كتب ومتغيرش حاجة!" وهي أيضاً لا تحب مشاهدة الجزيرة فهي تشعر حينما تشاهدها أن "القيامة قامت والناس يحشرون" على حد تعبيرها.. وتظن أن أحمدي نجاد رئيس باكستان "تقريبا" ..
أما أبي فهو يكتفي بالمشاهدة والتحسر أكثر من الفعل أو التحرك.
هي أسرة مصرية نموذجية للأسرة العربية الهادئة المسالمة . . التي تحمل في وسطها ذاك الفتى المشاكس العنيد الذي يظن أنه سيغير الدنيا .. "الذي هو حضرتي"
الحق أن أهلي ليسو دكتاتورين، فهم يسمحون لي بحرية كبيرة نسبيا مقارنة بما أسمعه وأشاهده عند زملاء آخرين .. والحق أيضاً أنهم يقابلون المنطق بالقبول في كثير من الأحيان ويستمعون ويناقشون .. وأحمد الله على ذلك.
المهم أنه - وفي نهاية اليوم - الساعة الثانية فجراً وجدت أمي قادمة وتحمل اللابتوب لتعطيني إياه مرة أخرى!
ربما يود الذين اشتغلوا بالصحافة لو لم يكونوا صحفيين!




