بين مؤيد لمزيد من التفاعلية وبين متحفظ عليها أو ساخط، ينقسم جمهور الإنترنت .. ومثلما أحدثت التفاعلية على الإنترنت نقلة كبيرة في دورة المعلومات، فإن لها سلبيات خطيرة يرصدها المتخصصون أيضا.
ولعل المنتديات كانت ومازالت حتى وقت قريب – قبل انتشار المدونات – الوسيلة الأهم للتفاعلية عبر الإنترنت .. لكن ثمة مشكلة كبيرة تعاني منها بعض المواقع – خاصة الصغيرة أو الشبابية منها – تتعلق بمدى تأثير التفاعلية وأدواتها على محتوى الموقع.
احتكاكي بالمنتديات يمتد لنحو 8 أعوام ما بين مجرد قارئ ثم عضو نشط ثم مشرف، وبعد ذلك هجرتي لعالم المنتديات وبداياتي في عالم التدوين والصحافة الإلكترونية، كل ذلك يدفعني للكتابة في مسألة "التفاعلية"، وحاولت أن تكون بمثابة ورقة بحثية متواضعة لفتح النقاش عن التفاعلية وتأثيرها على المحتوى في عالم الإنترنت.
المنتديات.. "بيج بانج" التفاعلية!
بداية فإنه لا يمكن إنكار دور المنتديات Forums في تقوية الإنترنت كأداة لحرية التعبير بدون عبارة "لكن" التقليدية التي تكمم الأفواه، وبصدد ذلك صدرت عشرات الأبحاث والكتب التي تتناول دور الإنترنت بشكل عام - والمنتديات كوسيلة لها ثقلها – في تدعيم حرية الرأي والتعبير، حتى بدا أن زمن السيطرة على وسائل الإعلام وتكميم الأفواه قد انتهى مع ظهور الإنترنت والمنتديات.
كما لا يمكن إنكار دور المنتديات في تدعيم "التفاعلية Interactivity" ، بحيث يمكن القول دون كثير تردد أن المنتديات كانت بمثالبة "الانفجار الكبير أو Big bang"، الذي نثر نجوم التفاعلية في فضاء الإنترنت!
وبالتالي فهي أيضا أحد أول الأدوات التي كسرت شكل العملية الإعلامية بين مرسل ومستقبل، وأصبحت عملية الارتجاع أو الـ Feedback هي عصب العملية الإعلامية، مما ألقى بظلاله وتأثيراته على وسائل الإعلام التقليدية من صحافة وراديو وجعلها تفرد مساحة أكبر للقارئ لإبداء رأيه.
ولم يقتصر دور المنتديات عند ذلك الحد، بل تفوقت على زميلاتها من تطبيقات الإنترنت، حيث يمكن تصنيف مستخدمي الإنترنت في "عصر ما قبل المنتديات" إلى صنفين، منتج ومستهلك وفقط! لكن ظهور المنتديات فجّر أيضا تلك المعادلة، وأصبح المنتج والمستهلك يتبادلون الأدوار في أحيانٍ كثيرة.
وقد قرأت أن نشأة المنتديات الحقيقية أو الـ message boards ترجع إلى 1996، حيث انتشرت بفضل برنامج Ultimate Bulletin Board وكانت في بدايتها بسيطة تحتوي صفحة واحدة ترتب المواضيع زمانيا ثم تطورت إلى الشكل الحالي.
ويعود تاريخ تطورها – مثلها مثل معظم تطبيقات الشبكة العنكبوتية – إلى جهاز Bulletin Board System حيث مكّن هذا النظام المستخدمين في الثمانينات والتسعينات من تبادل الرسائل وقراءة الأخبار..
وربما بالتوازي مع تطور المنتديات وغزوها للعالم العربي في نهاية التسعينات تطورت أيضا المجموعات البريدية E-groups ، وإن لم تحز الأخيرة نفس الضوء والكثافة الإعلامية كونها لا تتيح التواصل إلا لأعضائها، ولا يخرج محتواها كثيرا خارج صناديق البريد الإلكتروني.
ثم ظهرت المدونات Blogs بعد ذلك، وانتشرت في العالم، وليس هذا معرض تناول تاريخ المدونات، لكن قدراتها في صناعة الخبر وخصوصية ناشره فاقت كثيرا ما تتيحه المنتديات، حيث شكلت المدونة ما يشبه "وكالة إعلامية" تخص صاحبها..
ومع وجود خدمة التعليقات أيضا، وتلقي الردود، كانت المدونات السبب الأساسي في تدشين ما يسمى الآن "ما بعد التفاعلية" أو "Post Interactivity "، بالإضافة لظهور خدمات أخرى تعتمد في الأساس على المستخدم كمنتج للمادة، مثل الويكيبيديا وسلالتها، واليوتيوب وغيرها.
إذا حضرت التفاعلية .. بطل المحتوى!
كانت تلك مقدمة مهمة للقارئ للولوج معه في ما أريد تناوله، وهو تأثير التفاعلية وما بعدها على المحتوى الخبري..
لكن قبل ذلك يجب التنبيه على أن للتفاعلية سلبيات أخرى غير تأثيرها على المحتوى، مثل تسببها في الترويج للشائعات وإتاحة الفرصة لنشر الأخبار غير الدقيقة أو المواد التي قد تنافي أخلاقيات المشاهد، وغير ذلك.
من الثابت إن عصر "التفاعلية" وما "بعد التفاعلية" قد أدى لتنامي الضغوط على المواقع الإخبارية والمواقع التي تعتمد في الأساس على تقديم محتوى، تصب تلك الضغوط في اتجاه تعزيز خطوط التفاعل مع القارئ، وإيجاد أدوات تمكنه من أن يصبح مشاركا في صنع مادة الموقع.. بعدما بدأت مواقع التفاعلية في الإزدهار وبدا أنها قد تطيح بمواقع المحتوى التقليدية وتنافسها في اجتذاب الجمهور.
ومن خلال دراسة صغيرة أجريتها على عدة مواقع عربية، فإن ثمة قاعدة تكونت لديّ مفادها أن التفاعلية تؤثر سلبا – في الغالب - على مدى رواج محتوى الموقع، بمعنى أن إتاحة المزيد من الخدمات التفاعلية يؤثر سلبا على قراءة المحتوى، إذ يميل الجمهور بطبعه إلى صناعة الخبر بدلا من قراءته.
- ففي موقع مصري شهير، تسبب نشاط المنتدى وتنامي أعبائه على أفراد الإدارة في ضعف المحتوى وعدم تجديده، بالإضافة إلى أنه لم يكن يحظى بأكثر من 20% مما يحظى به المنتدى من نشاط وتعليقات، وفي النهاية قررت الإدارة إيقاف الموقع والاكتفاء بالمنتدى.
- وفي تجربة لموقع عربي آخر شهير، كان من أول المواقع العربية التي أتاحت خدمة التعليق على التقارير، تم تجريب افتتاح منتدى ولم يستمر أكثر من أسبوعين بسبب تأثيره السلبي على المحتوى، وعدم قدرة الزائر على التفرقة بين التعليق على التقارير في الموقع أم المنتدى!
- وفي مواقع ضخمة تحظى بتراتيب متقدمة عالميا ويزورها من نصف مليون إلى 2 مليون زائر يوميا، مثل البي بي سي العربي ، والجزيرة نت ، فإنها – برغم ضغوط التفاعلية المتنامية – لم ترضخ لذلك، واستعملت ما يشاع تسميته "منتديات جزئية" ، حيث يقوم المحرر بطرح موضوع للنقاش كل فترة، واستقبال آراء الزوار عليه.
- كذلك الأمر في موقع إسلام أونلاين، أحد أكبر المواقع العربية، فهي أتاحت بصورة أكبر قليلا خدمة المنتديات، بل ووظفتها في صناعة الخبر.
- والأمر خلاف ذلك في موقع قناة العربية، فبرغم أن قناة العربية قناة إخبارية إلا أن موقعها يتخذ منحاً أقرب للتفاعلية، إذ يعتمد بالأساس على تناطح جمهوره في التعليقات، ويبرز التعليقات بخط كبير وواضح وينشرها بشكل سريع.. بل يظهر ذلك المنحى في نوعية التقارير التي توضع على الموقع، ويتيح الإطلاع على (أكثر التقارير إرسالا، وطباعة ، وقراءة، وحفظاً) استشفاف ما تمثله التفاعلية من أهمية لإدارة الموقع، وتحتل تلك الخدمات مساحة كبيرة بارزة من الصفحة الرئيسية.
صحيح أن جمهور الإنترنت أغلبه الأعم قد يكون من مؤيدي زيادة التفاعلية، إذ يرغب بطبيعته في زيادة الأدوات التي يتحكم بها، وتتيح له أن يتحدث أو يصرخ أو يناقش أو يصنع الخبر.. لكنه قد يغفل – إزاء تلك الحماسة الكبيرة للفعل – أنه لا بد أن يحتل دور المتلقي إزاء المواقع الإخبارية ومواقع المحتوى التي لن يستطيع أي موقع تفاعلي مهما بلغ شأنه مضاهاتها في عملها.
موقع خدمات أم موقع محتوى؟!
وليس معنى ما سبق أن التفاعلية سيئة أو شريرة! فالمسألة هي أنك يجب تحدد ما تريد أن تكون عليه، أي أن كل موقع عليه أن يحدد ما إذا كان موقع محتوى أم موقع خدمات، فمواقع الخدمات هي التي تقدم خدمة الاستضافة للمدونات، وخدمة المنتديات وربما خدمات البريد الإلكتروني والبحث وغيرها.. وهي تحظى بنسبة عالية جدا من التفاعلية، ولن تحظى بنفس النجاح إذا ما قررت تقديم محتوى إخباري.
إن ضغوط التفاعلية على مواقع المحتوى يجب أن تترجم في صورة إتاحة قنوات للزوار لتقديم مجهوداتهم في صنع المادة، ويتم ذلك من خلال أشكال عديدة، منها:
· وربما آخرها مسألة "المنتديات الجزئية" التي يتيحها موقع مثل البي بي سي، والجزيرة، وبشكل أكبر إسلام أونلاين.
· وكذلك من خلال التصويت واستطلاعات الرأي، الموجودة في معظم المواقع الإخبارية.
· وإتاحة خدمة التعليقات على التقارير وهي خدمة تتيحها غالباً مواقع صغيرة أو متوسطة، لكن مع ضغوط التفاعلية أتاحتها مواقع مثل الجزيرة نت وإسلام أونلاين.
· بعض المواقع أصبح يترك التعليقات للنشر فوراً بدلا من مراجعتها.. وهذه خاصية تجتذب المزيد من الجمهور.
ولو تحدثنا بالتحديد عن موقع شبابي متميز حديث مثل الجزيرة توك فهو برأيي موقع "محتوى" قائم بالأساس على ما يكتبه له مجموعة كبيرة من العاملين في قناة الجزيرة، بالإضافة إلى فريق ضخم من المراسلين في أقطارٍ عدة..
وهذا لا ينفي وجود مساحة للتفاعلية به، فتعدد المراسلين بشكل كبير أحد أشكال التفاعلية.. إذ لا يعتمد الجزيرة توك على المراسلة الصحفية بشكلها المعهود، وإنما يسمح بقدر كبير من التدوينات ويقبل المراسلة الحرة .. كما أن الموقع يحتوي على جوانب تفاعلية أخرى مثل خدمة إبداء التعليقات على المواضيع.
ووجود المنتدى أثر كثيرا – طبقا للقاعدة المذكورة - على قسم المراسلين والكتاب، الذي لا يحظى بربع ما يحظى به المنتدى من نقاش وتناطح للأفكار، وهذا طبيعي في أي موقع يحتوي منتدى، حيث يفضل الأعضاء المناقشات الشخصية بأنفسهم، وليس التعليق على ما يكتبه الآخرون.
لقد عاينت تلك التجربة مراراً في عدة مواقع سابقة، كانت النتيجة الثابتة على الدوام هي إن وجود منتدى يؤثر سلبا على المحتوى، ويطغى عليه، مما يضع إدارة الموقع في النهاية في خانة المفاصلة، فإما أن تلغي المنتدى وتكرس جهودها للارتقاء بمستوى المراسلة والتحرير في الموقع، وإما أن تحول طاقتها للاهتمام بالمنتدى وتوظف جهود المراسلين كمشرفين على أبواب المنتدى لتصحيح مسار النقاش وطرح الموضوعات المفيدة.
والأمر بالمثل يطرح نفسه الآن على الجزيرة توك، وبرأيي فإن على الإدارة أن تحدد ما هيته، هل يريد أن يكون موقع محتوى يتيح قدرا جيدا من التفاعلية، أم يتخصص كموقع خدمات يقدم المنتديات وخدمة استضافة المدونات مجانا؟!
وإذا افترضنا ثانية استمرار المنتدى، فإن هذا لا يبرر إطلاقا الشكل الذي يؤول إليه النقاش في كثير من المنتديات العربية، ويجب توجيه مسار الحوار بشكل يكفل فائدة أكبر للقارئ والمشارك، لكن لهذا مقام آخر نتحدث فيه إن شاء الله.
-------------------------
** نشر هذا المقال أولا في موقع الإسلام اليوم