برافو عمر سليمان
هل كان تفجير معبر رفح مرتباً بين مصر وحماس؟!عمرو مجدي**
تمهيد:
قد تبدو معالجة تلك القضية التي تظهر للقارئ في العنوان متأخرة نوعاً، فكنت قد كتبت هذا المقال يوم الأربعاء الماضي، وحاولت طوال تلك الفترة الإطلاع على أي معالجة إعلامية تتناول تلك الجزئية، فلم أقع سوى على تقرير في موقع الجزيرة الإنجليزية يتناول تلك الجزئية باختصار.
كما حاولت نشر هذا المقال في بعض المواقع لكن لم أجد استجابة، لاعتبارات سياسية في المقام الأول، وحين أخذت رأي بعض أصدقائي من فلسطين وخارجها نصحوني بعدم نشره، لكن أرى أن الانتماءات السياسية لا يجب أن تكون على حساب حرية الفكر والرأي، كما أن هذا المقال بالتأكيد لا يعني إدانة مصر، بل على العكس تماماً .. إنه موقف نادر يشعر فيه المرء بالفخر لانتمائه لتلك البلد.
المقال:
شيء ما فيما حدث في غزة يثير علامات استفهام كثيرة.. الأزمة تصاعدت بسرعة كبيرة واستجابة الشارع العربي لها كان واسع النطاق بالقدر الذي يمكننا أن نقول إنها المظاهرات الأكبر من نوعها منذ تلك التي صاحبت بداية الانتفاضة الثانية في مطلع القرن.. كل ذلك مفهوم ومبرر بل وينبغي مواصلته.. ولعل الشرارة الأولى لكل تلك التداعيات كانت زيارة خليفة المسلمين الأمير جورج بوش إلى المنطقة قبل أيام.
أتفق كذلك مع ما قاله الناطق باسم حركة حماس سامي أبو زهري أنه لم يكن بوسع أحد إطلاقاً أن يمنع تدفق عشرات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة عبر معبر رفح .. وعبورهم إلى الجانب المصري.. فالأمر كما وصفه هو انفجار طبيعي ناجم عن شدة الضغط الذي ولده الحصار – لن أقول الإسرائيلي فقط، وإنما الحصار الذي شاركت فيه كل دول العالم بما فيهم العرب أنفسهم.
لكن علامات الاستفاهم التي أعنيها تعود إلى التعامل اللين الذي استقبل به الأمن المصري المقتحمين، فبرغم أن الجميع تنفس الصعداء مع ذلك "الانفتاح القسري" لمعبر رفح، إلا أن بعض المراقبين يرون إن ذلك "الانفتاح" لم يكن قسريا، وإن أريد له أن يبدو قسريا!
أي إن تفجير المعبر كان مرتباً بين مصر وحماس.. وهناك عدة شواهد يعزز بها أصحاب تلك النظرية اعتقادهم، يمكن تخليصها فيما يلي:
أولا: العلاقات المصرية – الإسرائيلية، والمصرية – الأوربية تمر بفترة توتر مكتوم، يظهر في صورة تصريحات متناثرة حانقة من حين لآخر.. هذا التوتر قد يمهد لتحريك أوراق الضغط لدى الجانب المصري، والتي لا يلجأ لها إلا نادراً، وبقدر محسوب.
ثانيا: صحيح أن ذلك الانفجار مفهومة أسبابه على الجانب الفلسطيني، وصحيح أيضا إنه لم يكن بمقدور أي مواطن مصري أصيل أن يطالب القوات المصرية بإطلاق النار على الفلسطينين الفارين من جحيم لم يعرف التاريخ له مثيلاً.. وكذا قال الناطق باسم الخارجية المصرية (حسام زكي) أن "عدم تعرض الأمن إلى الأشقاء الفلسطينيين أثناء تدفقهم ينبع من التزام مصري باحتضان أبناء الشعب الفلسطيني".
لكن الأمر ليس بمثل تلك البساطة أو السلاسة ..
إن النظام المصري الحاكم الذي استطاع قمع أصوات 80 مليوناً من أبناء الشعب المصري على مدار 26 عاماً لهو قادر على أن يقمع مظاهرة غزة، خاصة إن الأمر يتعلق هنا باختراق لحدود البلاد، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لعمق الأمن القومي المصري
(بغض النظر عن أن المخترق هنا هو أبناء غزة الذين يعتبرون – تاريخيا وجغرافيا - جزءًا من الشعب المصري ناهيك عن أن يمثلوا تهديداً لأمنها، لكن نحن نتحدث هنا في المبادئ التي يمكن أن توضع كلافتات رسمية لتبرير أي تعامل خشن مع المقتحمين).
وحتى إذا تجاوزنا نظرية القمع المفترضة بناءًا على ما قلته سابقا من أن قوات الأمن المصرية لم تكن لتجرؤ على إطلاق النار على نساء وأطفال ورجال غزة وتتسبب في مذبحة مروعة لا يعرف مداها إلا الله، فإن هذا لا يعني أن الأمن المصري قد فقد الحيلة أو القوة لمنع تدفق الغزاويين.. فكان بإمكان الأمن المصري أن يكتفي بالوقوف حائلا دون تدفق الغزاويين من خلال تكثيف أعداد الجنود..
وكل مواطن مصري يعيش في بلاده أو جرب النزول لتظاهرة في ميدان التحرير يعرف كيف أن الأمن المصري باستطاعته منع النمل نفسه من التسلل إلى مكان التظاهرة المتفق عليها، وكيف يتحول وسط القاهرة إلى ثكنة عسكرية في مشهد متكرر يذكر بأيام الاستعمار الإنجليزي.
ثالثا: كذلك يعزز أصحاب تلك النظرية (الترتيب المسبق بين مصر وحماس) رأيهم بالإشارة إلى رد الفعل على الجانب المصري السياسي، الذي يمكن أن نصفه باللين جداً.
فبينما بدى الصمت هو سيد الموقف لعدة ساعات بعد تفجير الحدود، هذا الصمت الذي كسرته تساؤلات الصحفيين التي وجهوها للرئيس مبارك أثناء افتتاحه معرض الكتاب، فالحقيقة إن إجابة الرئيس مبارك كانت لينة جداً حين اعتبر أنه "سمح للفسطينيين بالعبور للحصور على الإمدادات طالما أنهم لا يحملوا أسلحة".
لم أطلع على ترتيبات دخول الفلسطينيين بدقة في أي وسيلة إعلامية، لكن لا أعتقد أن ثمة من كان يفتش المتدفقين – الذين كانوا بعشرات الآلاف – ليعرف إن كانوا يحملوا أسلحة أم لا.
مجمل الأمر يوحي بأن الموقف السياسي المصري أيضا حاول أن يضفي صبغة إنسانية على السماح لهم بالمرور، والواقع يقول إنه إذا كان اقتحام المعبر (غير مرضي) عنه من الطرف المصري لكنا سمعنا انتقادات غليظة، خاصة إن مصر (الرسمية) تقع في خلاف أيدولوجي سياسي مع حركة حماس، وكان بوسع مصر استغلال هذا الاقتحام لتقريع حركة حماس.
وفي النهاية فإن النظام المصري، خاصة في الوقت الحالي، أضعف من أن يواجه إسرائيل وأمريكا بتحدٍ مباشر في فتح معبر رفح مباشرة وكسر الحصار الإسرائيلي.. لذلك قد تبدو مسألة الترتيب المسبق على قدر من المنطقية.. ليس شرطاً الترتيب بمعنى الاتفاق المسبق على التفاصيل، وإنما على الأقل بتسريب معلومات استخباراتية تفيد أن أي اقتحام للمعبر لن يواجه بعنف من الجيش المصري.
في الختام أقول: برافو يا عمر سليمان!



