
أخرجت الكتاب الأول، وانكسر أحد الأقفال .. على درج الذاكرة الذي اعتراه التراب.. هنالك حيث كنت أحاول انتشال أشلاء بعض جثث الذكرى الممزعة .. أو لربما كانت تتسارع هيا من تلقاء ذاتها لتهرب من ذاك الدرج الذي تكدس بها في غفلة من الزمن!
أخرجت بقية الكتب، بينما تناوبتني الأحاسيس التي لا يمكن وصفها بمفردة واحدة، فلا هي بنشوة، ولا هي بحزن، ولا هي اكتئاب أو سرور أو توهان .. بل هي مزيج من ذلك كله، ضربوه في خلاط ألماني أو قلب مصارع حتى امتزج ولم يعد من الممكن فصله .. نظرت لعيني في المرآة لأرى شبح ابتسامة ..
أدرت وجهي شطر الكتاب أعاود المذاكرة لكني وجدت صوتي متهدجا.. وكأن جسدي يريد أن يلزمني الصمت دقيقة حداد على رائحة الذكرى العبقة..
لم أكن أعرف إن كانت الاستعانة بكتب الأناتومي (التشريح) لمذاكرة الموضوعات المطلوبة منها في بكالوريوس الجراحة فكرة سديدة أم لا .. فهناك (ملزمة) تكفي وتسد.. لكني لم أستطع أن أقاوم فكرة أن أواجه ذكرياتي، أو ربما هي التي دفعتني لذلك بنوع من السحر المسيطر ..
ذكرى أول خط.. وأول حرف .. وأول رسم كان هناك.. حين كانت كل الأمور بسيطة، في العام الأول والثاني من دراسة الطب .. السذاجة تلفها، وطموحات المستقبل تحدوها .. لم أصب بالشيخوخة بعد.. أمي سعيدة بابنها الأحمق الذي حقق رغبتها في دخول الكلية.. والابن سعيد في ألم! يتحسس الطريق .. ويذاكر!
هل كانت من أصداف القدر أن أشرد بذهني متذكراً كل ذلك بينما رائحة فجر الخريف تطل من النافذة؟ تلك الرائحة التي تبدو مزيجاً من نبات محترق وندى يبكي لسعة الشمس الأولى.. كانت تتسلل إلى رئتاي دائما حينما أنزع الغطاء نزعاً وأرتدي ملابسي على عجل لكي ألحق بأول (ميكروباص) ينقلني إلى (السنتر) كي ألحق مكاناً في درس الأناتومي!!
لم تكن لديّ سيارة حينها .. لكني كنت أكثر سعادة، أو ربما سذاجة.. لا أدري.. لم أكن ألمح في الشارع في تلك الساعة المبكرة سوى صنفين من البشر: ضباط الجيش بزيهم المميز وطلبة الطب! كأن قدرهما واحد.. وطريقهما متوازيان، لكن الحتوف لا تعرف الفارق! وكلاهما عليه أن يقنع نفسه بمأوى الشهيد حتى لا يموت كمداً..
كنت أخرج من الدرس ومازلت رائحة شواء الأشجار تلك تعبق الجو، وإن بدأت تختلط بضجيج السيارات المرعب ورائحة عوادمها اللعينة.. أعبر الطريق إلى الكلية، أمر عبر البوابة وأتجاهل إبراز الكارنيه أمام العسكري المريض بالسل دائما..

أتذكر أول مظاهرة وأول انفعال، أول تحقيق وأول احتكاك.. أول أول .. تتعاقب الذكريات كأنها (جارات) المشرحة تترآى أمامي.. فيلم مدته ست سنوات ونصف.. كل الأوائل تحتشد وتتقافز .. أنفثها في زفرة حارة وأنظر إلى وريقة صغيرة معلقة في غرفتي..
يقولون إن الحياة سريعة التغير .. لكن لعمري إن الإنسان نفسه هو أسرع ما في الحياة تغيراً..
فبينما أتذكر كل ذلك ها أنا أعد الأيام بانتظار فرج الانطلاق من عنت الطب، في (سنة) البكالوريوس، حيث كل يوم يمر يجود ببعض الأمل في الخلاص المنتظر!

أنظر إلى الوريقة التي أعد الأيام عليها كالسجين.. وكل أسبوع يمر أمرر عليه خطاً ثقيلاً بالقلم الجاف، وكأني أزجره أن يعود أو ينعاد..
إنها ليست (سنة) في الواقع، بل هي 15 شهراً في كتاب الله يوم خلق كليات الطب.. لكنها في كل الأحوال تمر..
تتركك جسداً مهترءًا وتمر.. وترى التجاعيد تزحف على جدران قلبك لكنها تمر.. الامتحانات 50 يوماً بلياليهن.. رغم إنني لم أسمع عن (خمسينية) الميت، فالموتي لهم (أربعينية) فقط .. يمكن من حبهم فينا!! لكنها أيام وستمر!