الأحد، مايو 30، 2010

الخلاء (قصة قصيرة)


الخلاء الواسع
في ليل الصحراء الكبيرة
وضوء النجوم الذاوي
تهزها نسمات الهواء العليلة
الآتية من البحر المفتوح
ولا أحد هناك
حيث أنوار المراكب البعيدة
تبدو حين أقف مبلل القدمين ، كنجوم طافية على سطح الماء
****

أمشي في تلكُأ من ملكوا كل الوقت أو صاروا هم الوقت ذاته.. انظر إلى السماء وأتفكر في اللاشيء .. وأسأل الله أن ينجلي فينجلي.. أقول له أين أنا منك الآن؟ فيجيب: قريب. أسأل: فلماذا رغباتي بعيدة؟ فيبتسم ويختفي ولا يجيب . . أفيق من حديث الخيال على شوكة وخزت قدمي، كأنها تعاقبني على أفكاري الوجودية.. أمشي عدة أمتار أخرى.. أقف.. أستدير إلى الناحية الأخرى.. شيءٌ ما كأنه هاتف لا يُسمع أجبرني على ذلك فجأة.

أرمق فتاة عن بعد تقف ذات وقفتي، فأشعر وكأن ما جلبها هنا هو نفس ما جلبني.. وأن الله انجلى لها منذ لحظات أيضاً.. الليلة غير مُقمرة، لكن شيئاً ما أكثر من مجرد الشْعر المتناثر بفعل نسمات الهواء جعلني أخبِرُ أن هذا الجسد لأنثى.. أو بالأحرى .. هذه الروح أنثوية.. أتخيلها مغناطيس عملاق يجذبني فأنجذب كدبوس رفيع لا يملك أية حيلة.. أصطدم بها بعنف، وألتصق بجسدها ثم لا أملك فراراً.. أفزعتني الفكرة، فمهما يكن من جمال أي فتاة، فإن إحساسك أنك مجبرٌ على الالتصاق بها وأن هذا ليس بإرادتك هي فكرة مفزعة حقاً..

أنفض أفكاري بعيداً وأدقق نظري أكثر.. هل هذه سيجارة التي في يدها؟ أتحرك نحوها قبل أن أفكر.. سوف أقصدها مدعيا نفاد أعواد الثقاب لدي.. سأطلب منها إشعال هذه السيجارة التي أمسكها بين أصابعي منذ دقائق ولم أشعلها .. لقد نسيت أمرها تماما، ثم.. وفجأةً.. أختطف منها قبلة عنيفة قبل أن تنطق بأي شيء..

أتراجع عن الفكرة الأخيرة، ماذا إذا صرخت.. ولحظنا أحدهم؟ أنا لا أرى أحداً بالقرب .. لكن لست مستعداً لخوض أي معارك الآن.. لقد جئت هنا للصفاء النفسي
قررت أن أتمهل.. سوف أتلطف وأطلب منها إشعال السيجارة، وأفتعل أي مناسبة للحديث.. أخبرها أن الجو اليوم لطيف، ومناسب للخلو بالنفس.. تهز رأسها بالموافقة.. ألمحُ في عينيها بعض الحزن والرغبة في الكلام.. هذه الفتاة سوف تنطق الآن، سوف تقول كل ما بداخلها
أقف إلى جوارها صامتاً .. أختبر رغبتها في الانفراد.. إذا لم ترحل فهي ترغب في الصحبة.

مرت بضع دقائق ولازال كلانا في موضعه يقف صامتاً.. لاحظت طريقة إطفائها للسيجارة .. كانت غريبة بعض الشيء، جلست على قدميها ووضعت السيجارة في الماء ..
ثم انتظرت انسحاب الموجة الرقيقة ودفنت عقب السيجارة في الرمال المبللة
سألتها لماذا فعلتِ ذلك؟ قالت: فعلت ماذا؟ أشرت إلى الرمال.. فنظرت ولم تقل شيئاً
ثم خطر لي خاطر.. تخيلت كم القاذورات التي يلقيها الناس في البحار ، وبرغم ذلك تبقى محافظة على نقائها وجمالها .. وتمنيت لو أن أرواحنا لها هذه القدرة على "الغسيل الذاتي" .. برغم كل ما يلقى في وجهها من قاذورات الحياة. أعجبني الخاطر، فأخبرت به رفيقتي التي لا أعرفها، قالت: جميل..

كانت أول كلمة تنطقها أمامي.. ورغم أنها كلمة واحدة ، لكن شعرت أن صوتها موسيقي أو ذو انطباع محبب للنفس. شجعني تعليقها فقلت: ولكن حتى هذه البحار العظيمة، بديناميكياتها، لا تستطيع أحياناً مواجهة قاذورات الناس فتتسخ للأبد، فمثلاً شاطئ الإسكندرية انظري كيف استحال طيناً.

لم تعلق، وإنما أشاحت بوجهها ببعض الامتعاض.. وشعرت أنني أفسدت الجو بالحديث في السياسة.. ففكرت في أن أصحح خطأي ، وقلت مداعباً: لو كان له لسان لوجّهَ لنا سباباً يتضمن الأعضاء التناسلية بالتأكيد..
كانت تلك طريقتي في الضحك دائما، السخرية من الأشياء جميعاً.. لكن لم أتيقن إن كانت قد فهمت ذلك تماماً.. فقط ابتسمت في سخط.. وظلت صامتة.

قالت أنها تريد أن تتمشى قليلاً باتجاه الشرق.. وأنها لا تمانع في أن أرافقها.. مشيت لِصقها.. وأنا أتعمد أن ألمس يدها من حين لآخر.

قلت فجأة: إن كل إنسان لديه ما يغبطه الآخرون عليه.
قالت: وما الذي يغبطك الناس عليه؟
قلت: الكتابة.
أردفتُ بعد لحظات من الصمت : ولكن أكثر الأشياء إيلاماً أن تفقد ذلك الشيء
هزت رأسها موافقة.
لاحظتْ بردي .. فعرضت عليّ أن تعيرني سترتها.. فكرت للحظات في مدى سخف الموقف ، فالمفترض أن يحدث العكس.. قلت لها إنني يمكن أن أتحمل.. قالت إنها تحب أن تشعر بالبرد قليلا وإننا يمكن أن نتبادل السترة إذا شعرت بالرغبة في الدفء.
قلت لها ما الذي يغبطك الناس عليه؟ قالت: أبي..
قلت لها في اندهاش حقيقي: أحقاً؟
قالت نعم.. أبي.. أنا هنا الآن من أجله.. لقد كان يحب البحر كثيراً.. لدرجة أنه صار مسكنه للأبد..
لاحظت تحول نبرتها للحزن في الجملة الأخيرة، ففهمت..
قالت موضحة: كان يملك مجموعة من مراكب الصيد ، لكنه كان يحب دائما أن يشاطر مأجوريه في عملهم.. حتى ذلك اليوم المشؤوم

سكتت فجأة ، فسكت بدوري احتراماً لصمتها.. قالت: حسناً، أبي كان متسلطاً كعادة الآباء في أي مكان، لكنه كان أيضاً صديقا رائعاً، بل أكثر ، كان أخاً حنوناً ومكتشفاً جميلاً، يجمع بين جميع المتناقضات في ذات الوقت، بشكل مدهش، لكنك لا تملك إلا أن تحبه كما هو.. كان علماني وروحاني، كان يحافظ على الصلاة ويسخر من المتدينين..
بل وفي بعض الأحيان، كنت تسمعه على متن قاربه يلهج ببعض الذكر أو آيات القرآن.. ثم يخرج زجاجة الخمر من جيبه ليشرب شيئاً منها.. واستدركت: لم يكن يعاقر الخمر ، لا لا ليس من ذاك النوع، ولكنه في بعض الأحيان كان يملك زجاجة منها في جيبه.. برغم أنه كان يسب الخمر في لحظات الصدق مع النفس.
شعرتُ بمدى صدق كل كلمة تحدثت بها الفتاة، لاحظت أن نبرة صوتها مرتفعة حتى وكأنها تقوم بأداء مسرحي بطولي.. تصف فيه ما خبرته بكل حواسها..

استطردت: كنا كثيري الخلاف، وكثيراً ما كنت أخاف أن أكشف عن أفكاري لأنه كان يسخر منها .. لكني كنت أفهم أنه يستفزني أيضا، كان يعتبر ذلك دعوة لإقناعه.. كان يستمع جيداً لكل ما تقول... متيحاً لك الوقت لعرض كل أفكارك، وإن لم يخل الأمر أحيانا من بعض السخرية التي تستفزني وتجعلني أتعصب.. وكان هو يضحك بصوت مجلجل كطفل صغير على طريقتي في التعصب..
كان يقول دائما أنه يحب أن يغظيني، ليرى ملامح وجهي التي لا تعرف كيف تغضب..
توقفت الفتاة عن الحديث: ولمحت في مقلتيها دمعتين تجاهدان ألا تفرا من عينيها.. قلت لها ملاطفاً: ياله من أب جميل!
قالت بزفرة حارة: بالتأكيد. أضافت: كان يجدني ساهمة، فيجيء ويحتضنني.. دون أن يسألني ما الذي يشغلني.. لأني كنت أخبره ساعتها فوراً.. وإذا لم أخبره.. كان يفهم من عيني ما أريد أن أقول.

مرت لحظات من الصمت المرتبك.. ثم سألتني فجأة: متى عانقت والدك آخر مرة؟!
نظرت لها في استغراب، ثمّ انتفضت وكأن السؤال لسعني.. إنني لا أستطيع أن أتذكر أبداً متى كانت تلك المرة، ربما وأنا في المدرسة الابتدائية أو قبلها..
قلت لها: إنني طالما شعرت أن أبي مجرد موظف مجتهد.. إنه يلبي رغباتنا قدر ما يستطيع لكن لم يهتم يوماً أن يفهمنا أو يشاطرنا الأحاسيس.. و...
أوقفتُ حديثي فجأة، شعرت بغصة في حلقي.. كانت تلك أحد الموضوعات التي تنغص حياتي دائما.. قلت لها وكنت قد أعطيتها السترة منذ عدة دقائق: الجو الآن بارد، لماذا لا نذهب ونجلس في سيارتي.. إنها هنا في أول الشاطئ. هزت رأسها علامة الموافقة.. أعجتني طريقتها الصامتة في رفض أو قبول أي اقتراح..

دلفنا إلى الداخل، وأبقينا النوافذ مغلقة.. كان ضوء الفجر قد بدأ يتسلل كاللص الخائف من ظهر السماء.. بدأت أفكر إن المكان والوقت ملائمين لممارسة الحب.. الحق إن تلك الفتاة تختلف عن الأخريات اللواتي عرفتهن.. إنني أرغب في أن أكون معها، ليس من أجل جسدها ولكن من أجل أن أبقى في حضن روحها كطفل رضيع.. هل هذا ما يسمونه الحب؟ لقد توقفت عن التفكير في ذلك الأمر منذ زمن واكتفيت في علاقتي النسائية بمتعة الجسد..

بعد برهة تردد، حسمت أمري، قلت لها: أترغبين في ممارسة الجنس؟ صفعتني على وجهي بشدة .. وخرجت غاضبة..
******

أشعلتُ محرك السيارة، وضغطت دواسة الوقود بكل قوة..

******
خبر في جرائد اليوم التالي: شاب في العشرينات ينتحر بإغراق سيارته في البحر..
في تفاصيل الخبر: بعد التحري عن رقم السيارة، توصلت المباحث أنها تخص والد الشاب، وهو طبيب جراح مشهور، وكان من المعروف أن علاقته بابنه متوترة جداً في الفترة الأخيرة، بسبب إجباره على دراسة الطب. في حين كان الابن يهوى الكتابة.. وقد تسبب ذلك في بعض الاضطرابات النفسية لديه.
الجدير بالذكر إن بعض شهود عيان ذكروا إنهم شاهدوا القتيل يتمشى وحيداً قبيل الفجر، ويلوح بيديه كأنه يخاطب أحدهم.
******


الخلاء الواسع
في ليل الصحراء الكبيرة
وضوء النجوم الذاوي
تهزها نسمات الهواء العليلة
الآتية من البحر المفتوح
ولا أحد هناك
حيث أنوار المراكب البعيدة
تبدو حين أقف مبلل القدمين ، كنجوم طافية على سطح الماء

******
- أوجه الشكر للصديقة رماح مفيد التي ألهمني حواري معها بعض هذه القصة
- نشرت هذه القصة على
موقع الناطور

هناك تعليقان (2):

the others يقول...

قصة جميلة....هو شاب رحلت روحه وتركت جسده فقرر انهاء حياة هذا الجسدالذي يحيا بلا أمل... بلا حياة

أخبار مصر اليوم يقول...

شكرا على الموضوع المميز وفعلا مدونة رائعة وتسحتق التقدير
أقدم اليك مدونتى عن تحسين نتائج البحث كل السبل كل الطرق التى يمكن أن تساعدك فى الحصول على زوار الى مدونتك تحسين نتائج بحث موقعك السيو تقنيات محركات البحث دعوة الى زيارة بلوج تحسين نتائج البحث
تحسين نتائج البحث
improve search results