الخميس، يناير 27، 2011

بيان للناس من واحد من الناس

أرجو الطبع والنشر والتعميم .. كافة الحقوق غير محفوظة

السؤال الأول: إنتا مين؟

ج1: أنا واحد من الناس.. اللي نزلت التحرير، واتظاهر مع الناس.. وحيزل تاني وثالث لحد ما نحقق مطالب الناس.

س2: عايز إيه؟

ج2: عايز بلدي تتغير للأحسن، عايز حياة حرة كريمة، عايز مجلس شعب بيعبر عن الناس، وحكومة بتسعى لمصلحتهم، ووظايف كريمة ومرتبات معقولة تخليني أسافر وأتفسح وأعيش عيالي. ودا مش حيتحقق بشوية تعديلات ولا إجراءات بسيطة، لازم عمل دستور جديد وقوانين جديدة تسمح بالحريات وتدي حرية الاستثمار ويبقى فيه شفافية ومحاسبة للمسؤولين عشان البلد تتقدم.

س3: ما إحنا كلنا عايزين كدا ، بس التظاهر حيعمل حاجة؟

ج3: يعني هوا السكوت عمل حاجة؟ وبعدين أيوة التظاهر حيعمل حاجة، إحنا مش عايزين نتظاهر بس الحكومة مسبتش طريق تاني لينا، مجلس الشورى احتلوه، مجلس الشعب زوروه، رئاسة الدولة هوا واحد مشفتش غيره وابن حيحصل أبوه. يبقى مفيش غير التظاهر.. والنتيجة قدامنا في تونس وفي دول أمريكا اللاتينية وفي أوروبا الشرقية الناس وقعوا أنظمة من أشد المستبدين وحققوا مطالبهم. وحتى في مصر لما المصريين انتفضوا ضد السادات الأول سماها ثورة حرامية وبعد كدا مقدرش يعمل حاجة غير انه يرضخ لمطالب الناس.

س4: بس إنتو حتخربوا البلد، ولعتوا الشارع وضربتوا الأمن!

ج4: إحنا مظاهراتنا كلها سلمية، وبنأكد على كدا دايما، وأي حد بيحدف طوب بنبدأ نهديه ونمنعه، لكن لما الأمن يضربنا بقنابل وحجارة ورصاص مطاطي وحي.. من الطبيعي أحيانا الغضب يخلي البعض يرد على العنف بالعنف. لكن دا استثناءات. والدليل إن لحد دلوقت كل المظاهرات محصلش فيها أي إصابات إلا لما الأمن بدأ يتدخل بعنف.

ودلوقت فيه ميليشات تبع الأمن بتخرب في السويس لتشويه مطالب الشعب السلمية. والضمانة الحقيقية لسلمية المظاهرات هوا إنك تنزل تتظاهر.. لما أنا وانتا.. أمي وأمك.. ابني وابنك ينزلوا المظاهرات ساعتها محدش حيقدر يحرفها عن مسارها السلمي.. وأي محاولة حتبقى مكشوفة ومفضوحة.

س5: بس إنتو كلكم إخوان وعايزين تحكمو البلد!

ج5: إحنا مش إخوان، أكيد فيه بين المتظاهرين شوية إخوان، بس الإخوان في الآخر قلة وسط الشعب.. والتظاهرات بدأت من مجموعات مستقلة تماماً كفرت بالأحزاب السياسية وبالإخوان.. بدأت من واحد زي خالد سعيد اللي قتلوه وعمره ما اشتغل في السياسة. ولو الإخوان أو غيرهم حاولوا يركبوا مطالب الشعب إحنا حنوقفهم.

والضمانة الحقيقية إن لا الإخوان ولا غيرهم يركبوا على مطالب الشعب هوا انك تنزل تتظاهر لأن كووول الأحزاب في الآخر هيا قلة وسط الشعب .. واحنا مش عايزين نستبدل ظالم بظالم ، ومستبد بمستبد، إحنا عايزين تغيير كامل للنظام.

س6: بس يعني هوا مين حيحكم إذا مكنش مبارك ولا ابنه؟

ج6: إحنا مش يهمنا مين يحكم بقدر ما يهمنا إزاي حيجي، لازم يجيي بانتخابات حرة نزيهة تعبر عن إرادة الناس، ويبقى فيه تحديد لصلاحيات الرئيس ومجلس وزراء فعال، ومجلس شعب يقدر يستجوب أي وزير ويسقط أي حكومة.. وساعتها بس، ساعتها بس ميهمناش مين يحكم لأنه مش حيقدر يلتف على مطالب الناس.

وكمان أنا متأكد 100% وعارف إنك عارف زيي إن مصر مليانة بالكفاءات المهاجر منهم واللي جوا مصر بس مش باينين مش ظاهرين لأن اللي ظاهرين دلوقت ع السطح معظمهم هما شلة العصبجية والحرامية اللي ناهبين البلد، ومن الطبيعي إن أي كفاءات شريفة مش حتبقى معروفة للناس.

س7: يعني أنا مطلوب مني إيه دلوقت؟

ج7: مطلوب منك تنزل تشارك فوراً، بالتنسيق مع أصحابك وزملائك، انزل شارك، خد مراتك وأولادك وانزل أي مظاهرة قريبة.. طبعاً لازم تخش على النت وتتابع الأخبار من مصادر موثوقة وتشوف الفضائيات ونبطل بقى نصدق الهبل اللي بيتكتب في جرايد الحكومة وتلفزيون القناة الأولى. بس حتى المتابعة مش كفاية.. لازم تنزل وتشارك، وبيني وبينك يوم الجمعة .. وصدقني لو نزلت الثورة دي حتبقى بتاعتك انتا.

س8: بس مش احتمال أتعور أو اعتقل أو حتى أموت؟

ج8: كلها احتمالات واردة، بس عايز أقولك إن شعب تونس أسقط النظام في 29 يوم ومات فيه 90 شهيد بس، وشوية معتقلين خرجوا على طول، ونظام تونس كان أكثر استبداداً من نظام مبارك بكثير. وعايز أقولك إن الظباط والعساكر دول في النهاية جزء من الشعب وأهلينا واخواتنا وأكيد لما ننزل كلنا مش حيقدروا يعملوا حاجة غير انهما يستسلموا لمطالب الشعب ويرفضوا طاعة المستبدين الظلمة اللي فوق، زي ما الجيش عمل في تونس ووقف جمب الشعب.

والأهم من كدا هو إننا بنعمل تقدير ضخم جداً لقوة النظام وهوا في الحقيقة ضعيف جداً وهش جداً بس بيحكمنا بثقافة الخوف.. وهوا دا اللي لازم نكسره.. صدقني لو نزلت مظاهرة فيها خمستلاف واحد وقدامك خمستلاف أمن مركزي مش حيقدروا يعملوا حاجة غير إنهم يسيبكم تتظاهروا.

والدليل هوا مظاهرات 25 و 26 يناير أكثر من 20 ألف متظاهر في كل محافظة من محافظات مصر، شوف يطلعوا كام بقى، ومع ذلك عدد المعتقلين كلهم حوالي ألف خرج نصهم يمكن، ومات 5 تقريبا.. شوف النسبة.

ومفيش تغيير من غير تمن.. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..

س9: أديك قلتها بعظمة لسانك ، نغير ما بأنفسنا الأول!

ج9: أيوة هوا دا المطلوب، بس احنا فاهمينه غلط، مش المطلوب انك تصلي ولا تصوم في المسجد أو الكنيسة وتدعي ربنا زيادة، كل دي حاجات حلوة ومطلوبة ومحدش قال حاجة، لكن في النهاية هي من حقوق الرب على العباد، ولما تقصر فيها ربنا يحاسبك عليها لوحدك، وممكن برحمته يغفرلك، لكن حقوق العباد على العباد هيا الأهم وهيا اللي بيقوم بيها صلاح الدنيا والآخرة معاً.. وربنا ميغفرهاش إلا لو الناس نفسها سامحتك.. إنك تقول للظالم لأ.. إنك تعلن عصيانك وتنزل تتظاهر لأني زي ما وضحت من شوية مبقاش فيه طريقة تاني.. حقوق العباد على العباد إنك تصرخ بعلو الصوت.. ودي مش حق ربنا عليك وبس دي من حق بلدك عليك من حق الناس عليك .. كل واحد مننا مسؤول عنها..

مش قلت لك إنك تقدر تبقى.. واحد من الناس؟

اطبع البيان دا ووزعه على أكبر عدد من الناس.. موعدنا معاً يوم الجمعة من المساجد والكنائس.. نخرج سوية نتجه للميادين والشوارع ونقولها بعلو الصوت.. كفاية خوف كفاية موت.. إحنا قررنا نعيش

الأربعاء، يناير 26، 2011

مشاهدات متظاهر سيعود للشارع الآن



نزلت متأخراً، كانت الساعة الثالثة والنصف حينما أخذت سيارتي وخرجت، المرور يشهد انسيابية كبيرة غير معتادة، طوال شارع الهرم وباتجاه الجيزة، عربات الأمن المركزي تتواجد بكثافة في كل مكان، حينما وصلت إلى شارع شارل ديجول وأمام مجلس الدولة كان المرور متوقفاً تقريباً، أوقفت سيارتي ونزلت أمشي.. اكتشفت أن جحافل الأمن المركزي تغلق ميدان الجلاء في الطريق المتجه لميدان التحرير، وعرفت بعد ذلك أنها أيضاً تغلق جميع المنافذ التي تؤدي لميدان التحرير في دائرة قطرها نحو 10 كيلو مترات، لمنع السيارات من الوصول هناك.

ظللت أمشي في الشوارع الخالية، لم يمنع الأمن المترجلين من الاتجاه نحو ميدان التحرير، جحافل متزايدة من الأمن، وصلت في الوقت الذي كانت فيه المظاهرة أمام مبنى التلفزيون على الكورنيش كانت تتجه إلى ميدان التحرير، حيث فهمت لاحقاً أن كل المظاهرات أيضاً تجمعت في الميدان.

للوهلة الأولى أصابتني نشوة رهيبة، الميدان محتل بالكامل من قبل ما لا يقل عن 20 ألف متظاهر، قوات الأمن تغلق جميع النوافذ المؤدية للميدان، شارع القصر العيني، شارع الجامعة الأمريكية، شارع باب اللوق، شارع رمسيس..

بدأت أقابل أصدقائي الذين لم أرتب معهم، ولكني صادفتهم هناك.. أعجبني جداً وجود الفتيات المحجبات لأول مرة في وسط المتظاهرين، وكذلك بعض الفتيات الإخوان، بل وبعض المنقبات كذلك، وهم الذين اعتادوا عدم التظاهر أبداً، أو التظاهر في مظاهرات خاصة بـ "الأخوات".. كانت الغالبية العظمى من الشباب، لكن الشيوخ والنساء بل والأطفال أيضاً كانوا حاضرين.

جميع المتظاهرين كانوا يؤكدون على سليمة التظاهرة، ويشرعون في تعنيف أي من يبادر برمي الطوب او غيره.

في الساعة الرابعة والنصف تقريباً كان الأمن قد أفلح في التشويش على شبكات الموبايل، أصبح مستحيلاً أو على الأقل صعباً جداً الاستقبال أو الإرسال. خرجت من المظاهرة إلى محل قريب لشحن الموبايل، جرت مناقشة بيني وبين صاحب المحل، اكتشفت أن الجهل هو المرض الأساسي للشعب فعلاً، إنه يعتقد أن المتظاهرين هم الإخوان، وأن الأمن المركزي قد ألقى القبض على الآلاف.. هذا الشعب لديه تقدير فاسد جداً Overestimation لقوة الأمن الحقيقية في البلد.

جميع من تحدثت معهم خارج المظاهرة، كانت لديهم غيبوبة حقيقية، وتخوف ينتهى في ثوانٍ معدودة حينما توضح له سلمية المظاهرة وأنها ليست ملكاً لأحد.. الجميع أبدا تعاطفه مع المتظاهرين ووعدوني بالمجيء لو بقي المتظاهرين حتى الغد.

في كل مرة كنت أحتاج للاتصال بأحد كنت أضطر للخروج والمشي حوالي 500 متراً خارج المظاهرة، ازدادت بعد ذلك إلى 1000 متر أو أكثر لكي أحصل على شبكة. كان هناك غضب حقيقي وسط المتظاهرين ضد الفضائيات العربية وخاصة الجزيرة التي أخفقت في نقل الحدث أولاً بأول، واتهمها المتظاهرون بمحابة النظام المصري.

الأمن كان قد كف عن إطلاق الغاز المسيل بعد تضخم المظاهرة، وهو يسمح لهم بالخروج والدخول بحرية من الكردونات الأمنية المحيطة بهم..

في الساعة السادسة تقريبا، بدأ بعض الشباب بالتطوع بشراء الماء وتوزيعه، وبعد العشاء كان البعض قد أحضر بعض الطعام أيضاً وبدأ توزيعه على المتظاهرين..

كانت الهتافات الأساسية "الشعب يريد إسقاط النظام"، "سلمية .. سلمية.. سلمية" ، "حرية .. حرية .. حرية" .. وهتافات أخرى تدعو مبارك للحاق بابن علي في السعودية، وهتافات ضد الغلاء والبطالة، تخللتها مناوشات وصدامات صغيرة مع الأمن من حين لآخر.

توجهت نحو صديقتي فلانتينا وماري في منطقة بشارع 26 يوليو، لرفع الفيديوهات على النت، كانت الحياة في وسط البلد هادئة جداً، نصف المحلات تقريباً مغلقة، لا يوجد حركة بيع وشراء ضخمة كالمعتاد في مثل هذا الوقت من اليوم، معظم المتجولين هم من المتظاهرين الذين خرجوا لشراء الطعام والماء وشحن الموبايلات.

مواقع تويتر وصحيفة الدستور وغيرها كانت محجوبة منذ الصباح، الإنترنت بطيء جداً، شبكات الموبايل محجوبة في دائرة قطرها حوالي 5 كيلو متر على الأقل مركزها ميدان التحرير.

عندما عدت للميدان الساعة العاشرة مساءًا كان بعض المتظاهرين قد اشتروا بطاطين وبدأوا توزيعها على المتظاهرين، وأعلنوا في الميكروفون أنها من حق النساء فقط لأن عددها قليل.

تركت الميدان الساعة الثانية عشر مساءً للحصول على الإنترنت في المنزل وبعض الراحة، بدأت في رفع الفيديوهات حينما رأيت الأخبار على الإنترنت والفضائيات، تتلخص في بدأ هجوم الأمن الوحشي على المتظاهرين بقنابل الغاز والماء والرصاصات المطاطية.

المظاهرات تفرقت، ظللت في اتصال مع أصدقائي على الهاتف، المتظاهرون حاولوا التجمع مرة أخرى في ميدان رمسيس، وعلى الكورنيش، الأمن كان يتعامل بقسوة شديدة، المئات سقطوا بين مصاب ومعتقل.

الآن سأنال قسطاً من الراحة للعودة إلى التظاهر غداً صباحاً.. التغيير قادم إن شاء الله.

الشعب يريد إسقاط النظام.. عشرات الآلاف في ميدان التحرير

http://www.youtube.com/watch?v=aefsysA26k0

حوار معبر بين متظاهر غاضب وضباط أمن مركزي

http://www.youtube.com/watch?v=8AT9JbzWWfc

مشهد التحام مظاهرة الكورنيش مع مظاهرة التحرير

http://www.youtube.com/watch?v=q3P6jcbrKYg

الفنان عمرو واكد في وسط المتظاهرين في التحرير

http://www.youtube.com/watch?v=JVUoFEtQ8PE

متظاهرون يؤدون الصلاة في ميدان التحرير

http://www.youtube.com/watch?v=NKmmaQmrW_g

دعوة 25 يناير إذ تكشف أمراض النخبة



نشر هذا المقال في صفحتي بالفيس بوك وموقع الجزيرة توك يوم 22 يناير

انتشرت في فضاءات الإنترنت دعوة للتظاهر السلمي يوم 25 يناير، عيد الشرطة المصرية، انطلاقاً من صفحة الفيس بوك الأشهر مصرياً "كلنا خالد سعيد" والتي وصل عدد أعضاؤها حتى الآن نحو 380 ألفاً ومروراً بالعديد من المجموعات الأخرى الأصغر حجماً، كما تلقفتها مجموعات مستقلة أخرى مثل 6 إبريل وحركة البرادعي من أجل التغيير.

ليست تلك المظاهرة أو الاحتجاج سوى واحدة كسابقاتها من تلك التي دعت إليها مجموعات مستقلة عبر الإنترنت، واستجابت إليها أعداد متراوحة من الشباب غير المسيس، إذ باتت السياسة وثقافة الاحتجاج تنتشر تدريجياً بين الأجيال الشابة والناشئة التي لم تصبها بعد الأيدولوجيات الخائبة والأحزاب الفاشلة بأمراضها القاتلة، فتفقدها الحيوية.

الفارق بين تلك المظاهرة وغيرها، هي محاولة من البعض لجعلها "ثورة"، أو تسميتها بالثورة حتى من قبل قيامها، وإذ اتفقنا على "سذاجة" هذا الطرح وطوبيته إلا أننا لا نستطيع أيضاً أن نستبعد أن ثمة "جديد" في هذه الفعالية.. ربما من حيث الأمل "التونسي" الذي أنعش الصدور، وهز وجدان الملايين، فبادر عشرات الشباب على سبيل المثال في توزيع بيان يدعو المواطنين للمشاركة، بينما قامت ناشطة شابة "أسماء محفوظ" بتسجيل فيديو، انتشر سريعا بين نشطاء الإنترنت وأحدث أثراً طيباً، وغير ذلك من المظاهر.

في الجروب الخاص بتظاهرة 25 يناير حتى الآن نحو 75 ألفاً سجلوا أسماؤهم، بالإضافة إلى 25 ألفاً آخرين لم ينفوا احتمالية مشاركتهم.. والحقيقة أن هؤلاء المشاركين لو التزموا فعلاً بالمشاركة على الأرض في التظاهرة فإنها بالتأكيد ستكون نقلة نوعية في المعارضة

بيد أن ما أريد أن أركز عليه وأناقشه، هو ما يلاحظه المراقب من شد وجذب، ربما ليس جديداً في نوعيته، لكنه كان بارزاً هذه المرة بشكل ملحوظ، إذ انتقلت أمراض "النخبوية" إلى الشباب النشط الذي أبدا كثير منهم امتعاضه من فكرة "ثورة 25 يناير"، وقد لاحظت ذلك في كثير من التعليقات على الفيس بوك وموقع تويتر من بعض هؤلاء النشطاء ممن يمكن تسميتهم "الجيل الأول" للاحتجاج في مصر الذي ولد عبر الحراك السياسي في 2005 ومابعدها.

ليست المشكلة هنا أن يتعرض الشباب النشط لبعضهم البضع بالنقد، فهذا بالتأكيد من ممارسات الديموقراطية التي تساهم في نضج الأفكار، لكن المشكلة العميقة فعلا التي أدهشتني هي روح "الاستعلاء" و"السخرية" التي تفشت في تعليقات البعض منهم، باعتبار أن هؤلاء الداعين لـ "ثورة 25 يناير" ليسوا سوى حفنة من "العيال".

ليس مدهشا أو مستغربا أن التنظيمات الراديكالية أيضاً لم تغير من موقفها، فالكنيسة دعت الأقباط لعدم المشاركة، والدعوة السلفية بالإسكندرية كذلك اعتبرته (مضرة أكبر)، في حين يرفض الإخوان كالعادة "التضحية بأنفسهم" في سبيل الآخرين! لكن المدهش والمستغرب أن تنتقل عدوى الفذلكة إلى الأجيال الشابة أيضاً.

والحقيقة التي يبدو أن هؤلاء الساخرين نسوها أو تنساوها أن الحماسة هي قرينة السذاجة، وأن الأجيال الأصغر دائما هي التي تبدو أكثر حماسة وفعالية، ولابد أن نتفهم سذاجتها أحيانا ونحاول تهذيبها وإنضاجها بدلاً من الاستعلاء عليهم والسخرية منهم بل وإحباطهم.

لقد بدا خطاب هؤلاء المستهزئين أشبه ما يكون بأقلام النظام المأجورة في الصحف الرسمية التي تحاول إحباط الشعب وإثنائه عن كل مشاركة على اعتبار أن الداعين لها هم "قلة مندسة" أو "ناس مبتفهمش" .. الخ من هذا الخطاب الفاقع.

إن ثمة فارق واضح بين النقد والسخرية، وأعتقد أن الناس والشباب ليسوا في حاجة الآن لمن يسخر من أفكارهم ويستعلي عليها وإنما لمن يناقشها نقاشاً جاداً يسعى إلى إنضاجها، كما تبدو هذه السخرية في منتهى الغباء في هذا التوقيت الذي كان يفترض أن يحاول الجميع استثمار حالة النشوة المتواجدة عند الناس، والإخلاص المتوافر لدى الشباب المتحمس، نتيجة الثورة التونسية.

أحد هؤلاء الشباب من أصدقائي الذي اعتاد أن يشارك في المظاهرات ضد التعذيب وغيره، فوجئت به يخبرني أنه لن يشارك هذه المرة! والسبب؟ لم أجد لديه أي سبب مقنع، فجأة تحول الناشط الهمام من تبني الخطاب الاحتجاجي إلى خطاب آخر انهزامي لمجرد أن البعض سماها "ثورة"!

النقطة الأخرى التي أحب أن أناقشها هو ما أشار له النشطاء وبعض الخبراء، أن الثورة الحقيقية لن تأتي عبر الفيس بوك والإنترنت، وأعتقد أن هذا الكلام أقرب إلى الصحة، فأي تغيير حقيقي لن يجيء سوى من الجماهير الغفيرة الساكنة، ولن يتحقق سوى بالتحرك على أرض الواقع، والدليل أن جروب مصري واحد يضم 380 ألفاً من المواطنين، في حين أن الجروبات التونسية كافة لن يصل مجموع المشاركين فيها إلى هذا الرقم، لكن الثورة قامت في تونس ولم تقم في مصر. وأعتقد أن هذا كلام مفهوم وليس أدل على ذلك من أن البرادعي اكتفى برسالة عبر تويتر من سويسرا يدعو مؤيديه للمشاركة في الثورة، بدلاً من المجيء لمصر ليكون في مقدمة المتظاهرين.

لكني أخشى أن يتناسى هذا الطرح دور الإنترنت في تجاوز القمع الحكومي وطرح القضايا المسكوت عنها في الإعلام الرسمي، كما فعلت المدونات المصرية مثلا مع قضيتي التعذيب والتحرش الجنسي.

الثورة تنطلق من الشارع، حينما تؤمن الجماهير الغفيرة بحتمية التضحية من أجل التغيير، لكن هذا لا يقلل من الدور الذي لعبه الإنترنت في الساحة العربية، والمصرية خاصة، في السنوات الأخيرة في تدعيم القضايا الحقوقية، وحركات الاحتجاج السياسي.

وإذا كان النقاش عن مساحات التلاقي بين الإنترنت والاحتجاج يحتمل أراءً مختلفة، فإن الحقيقة أن التغيير لن يحدث في مصر إلا حين تتخلى النخبة المسيسة عن ثقافة الاستعلاء البغيضة.

الأحد، يناير 16، 2011

حتى تكتمل التجربة التونسية


عرفت دموع الفرحة طريقها إلى خدود العرب أخيراً، بطريق غير كرة القدم.. إنها هذه المرة فرحة حقيقية، نسمة هواء عليلة، بعض الأمل.. الأمل الذي انتزعه الطواغي من صدورنا، أعاده لنا هذا الشعب الجميل العبقري، الشباب والصبايا في تونس والنساء والشيوخ.. قدموا لنا درساً غير مسبوق في العالم العربي، أطاحوا بنظام كان يعد مضرب المثال في القمع الصارخ الدموي، وبأقل التكاليف.. انتفاضة استمرت شهراً وحوالي تسعون شهيداً سيخلدهم التاريخ.

يجد الأمل دوافعه في كافة تفاصيل المشهد التونسي، لكني أصدّر هنا ثلاثة أمور، هما مصدر فرحتي الشخصية، وأهم عوامل في رأيي:

الأول يتلخص في أنها كانت ثورة الشعب، انتفاضة حقيقية من الناس لا يستطيع أي مُدعٍ من الأحزاب القائمة الشرعية أو المحظورة أن يقول أنه تبنى الدعوة لها، أو كان متسبباً فيها، أو حتى ساهم في قيامها بأي شكل من الأشكال. وهذا العامل بالتحديد من بواعث الأمل ليس فقط لأن كل الناس شاركوا في الانتفاضة، ولكن لأن هذا يميزها عن سابقاتها في العالم العربي، كثورة يوليو المصرية وغيرها من الثورات حتى في تونس نفسها، فابن علي جاء بالانقلاب، لكن خلع بورقيبه لم يكن بتحرك شعبي، ولذا كان من السهل للدكتاتور بن علي أن يستولي على ثورة كان مشاركا فيها.


العامل الثاني هو أن شعبوية الانتفاضة جعلتها تتبنى مطالب حقيقية ملموسة لدى الناس، صحيح أن ثمة سؤالاً يجب أن يكون محل بحث المختصين والمهتمين لاحقاً: وهو هل كان ما أخرج التونسيين إلى الشارع لقمة عيشهم في المقام الأول أم أيضاً القمع السياسي؟ فالملاحظ أن الانتفاضة في البداية ركزت على المطالب السيسيو-اقتصادية، لكنها انتقلت لاحقاً إلى مطالب سياسية حتى وصلت للإطاحة بالرئيس. لكن أياً ما كان الأمر فإن الانتفاضة تبنت مطالب حقيقية واعية جداً ربما لو دخلت فيها النخبة السياسية لأفسدتها، فهي لم تتبنَ مثلاً الخطاب السائد لدى بعض الأطياف الإسلامية عن الحجاب والشريعة .. الخ، ولم تتبن أيضاً خطاباً يسارياً فجاً متمثلاً في شعارات الاشتراكية الممجوجة أو غيرها.


الأمر الثالث هو ما أشار إليه المفكر برهان غليون في مقاله "تونس تفتح طريق الحرية" من أن سقوط نظام بن علي يُعد تأكيداً على سقوط وفشل النظام الذي راهن عليه الغرب ودعمه مع ثلة من المثقفين المأجورين من أن دفع عجلة التنمية الاقتصادية سريعاً، مع التضحية بالحريات وتداول السلطة، سوف يُلهي الشعوب العربية عن المطالبة بكرامتها. صحيح كانت تونس نموذجا اقتصاديا جيداً وسط بؤرة من الفقر المدقع على الخريطة العربية، لكن الكلفة الاجتماعية للتنمية الاقتصادية النيو ليبرالية كانت أكبر من أن يتقبلها الشعب.

برغم هذا النسمة العاتية من الأمل الحقيقي، تبدو أي محاولة لتحليل أو استقراء ماهو قادم ضرباً من المجازفة، فالأحداث تتغير بإيقاع سريع مدهش لم يتوقعه أحد، لكن ثمة عدة أمور تستحق التنبه لها حتى يكتمل انتصار الشعب.

أولا: فيما يتعلق بشغور منصب الرئيس، أرى أن الجدل الذي استمر لعدة ساعات قبل انتقال المنصب من الوزير الأول "الغنوشي" إلى رئيس البرلمان "المبزع" ليس مهماً بأي حال، ذاك أن كلاهما من رموز النظام البائد، صحيح أن الوضع يجب "تسكينه" مؤقتاً لإدارة البلاد إدارياً لكن هذا الجدل لا يجب أن يستمر طويلاً، ولا يجب أن يعطي شرعية من أي نوع لأي من الرجلين، ذاك أن الثورة لم تكن ضد الرئيس السابق وعائلته الفاسدة فقط وإنما ضد نظام كامل وعشرات من الرموز التي تنوعت جرائمها بدءًا من سكب الدماء – خاصة ذلك المجرم عبد الله القلال الذي ظهر في الصور مع الرجلين في إعلان انتقال الرئاسة – إلى السكوت عن جرائم النظام، وهي الحد الأدنى من التهمة اللصيقة بكل رموزه.

كما أن الدعوة إلى انتخابات رئاسية وحدها، دون حل البرلمان ودون انتخابات برلمانية هو في الحقيقة التفاف على مطالب الجماهير، فهذا البرلمان لم يعد شرعياً بأي حال من الأحوال، حتى لو لم ترد مادة في الدستور الحالي تشير لذلك، لكن الواقع يحتم ذلك ونبض الناس يقول ذلك.

الأمر الثاني وهو مرتبط بالأول، وهو الدستور التونسي ذاته، فعلى التونسيين الأبطال الذين نزلوا إلى الشوارع، أن يركزوا الآن على مطلب عملية خلق دستور جديد مدني للبلاد، عبر هيئة محايدة من فقهاء الدستور القانوني، لأن الدستور الحالي أصلاً هو سليل نظامين قمعيين، نظام بورقيبة ونظام بن علي، تم خلالهما وعلى مدار عقود طويلة تفصيله وتعديله لخدمة بقائهما، بما يعتريه من كافة المواد المخلة بالحريات العامة والسياسية. وعلى النخبة التونسية المسيسة أن تقود هذه العملية إلى بر الأمان بعيداً عن أية مصالح فئوية أو اختلافات أيديولوجية.

ويخيفني حقيقة أن هذا الجدل لم أره حاضراً بشدة – أو ربما أكون مخطئاً، لكنني لم أسمع سوى صوت قلة من التونسيين عبر الفضائيات تحدثوا عن مطلبهم بإحلال دستور جديد. ولعل هذا الأمر يُمكن إرجاعه إلى فجائية الأحداث وتسارعها بشكل غير متوقع، فمن كان يتصور هروب بن علي حتى يطالب بتعديل الدستور ذاته؟! لكن على أي حال يجب أن يكون هذا المطلب مطلبا شعبياً ونخبوياً الآن، ويتم العمل على تحقيقه.

ثالثاً: يجب أن يتم إنهاء العمل بـ "فزاعة الإسلاميين" السخيفة التي عمل بها النظام البائد، وتعمل بها كافة الأنظمة العربية تقريباً لتخويف حلفائهم في الدول الاستعمارية القديمة، وكذلك لتخويف الأقليات داخل البلاد العربية، وهي تتلخص في أن أي ديموقراطية حقيقية سوف تأتي بالإسلاميين إلى الحكم، ولذلك فالأفضل هو بقاء الدكتاتوريات الحالية!

وأتخيل أن المطلب الآن يجب أن يكون – بعد صياغة دستور جديد – الدعوة إلى انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، بدون إقصاء لأي تيار فكري أو سياسي، حتى وإن جاء الإسلاميون إلى الحكم، ذاك أن الإسلاميون في تونس يختلفون عن غيرهم، كما أنني مقتنع أنه حتى ولو كانوا في غاية الظلامية فإن الديموقراطية تصحح نفسها بنفسها، والشعب الذي اختارهم في هذه الدورة سيلفظهم في الدورة الانتخابية التالية حين يخفق في النهوض ببلاده.

أما كبت الحرية وتزوير إرادة الشعب تحت مبرر فزاعة الإسلاميين فهو لم يجلب للبلاد العربية سوى مزيداً من التخلف والدمار والتأخر، بل وحتى مزيداً من التطرف الإسلامي والشعبية للإسلاميين.

رابعاً: ستركز الصحف ووسائل الإعلام الرسمية العربية هذه الأيام على إبراز عمليات النهب والتخريب التي بدأت بعد رحيل بن علي، وذلك للإيحاء بأن التغيير في تونس غير سلمي، وأن أي تغيير سيجلب الخراب للبلدان العربية، ولهذا أقول إن بدأ عمليات التخريب المنظم بعد خلع الرئيس وليس قبله هو دليل على تورط فلول النظام البائد في هذه العمليات، وقد نقلت وكالات الأنباء اعتقال الجيش لبعض القيادات الأمنية التي ساهمت فيها بالفعل. كما أبى الشعب التونسي العبقري إلا أن يضرب مرة أخرى مثلاً في العمل الجماهيري العفوي من خلال تشكيل "خلايا" من المواطنين العاديين تسهر على حماية الأحياء بينما تكتفي مروحيات الجيش بالتحليق فوقها.

ولكن والأهم من ذلك، هو تعليق رائع لأحد النشطاء على تويتر يقول: في تونس أعمال نهب وتخريب بعد الانتفاضة الشعبية، أما في مصر – وبقية البلدان – عمليات النهب المنظم تتم ولكن بدون ثورة! وهو تعليق واقعي جداً يجب أن يعيه أذهان العرب جميعاً، إن بلادهم تقع تحت طاولة أكبر عملية نهب منظم في تاريخ البشرية من قبل العائلات الحاكمة، وإن أي تضحيات أو انفلاتات بعد الثورات ستبدو صغيرة جدا جدا إذا ما قورنت بحجم النهب الذي تقوم به الأنظمة الحاكمة.

يجب كذلك أن يعي التونسيون أن الدول الغربية الكبرى والعربية ليست قابعة تشاهد ما يحدث فقط، ولكنها سوف تحاول التدخل عبر أجهزة استخباراتها لضمان "اختطاف" النصر، أو تقليل حجمه بشتى الوسائل، حتى لو رحبت بالبيانات والتصريحات بـ "خيار الشعب التونسي".

إن النظام الغربي العالمي الآن بصدد مأزق حقيقي، لأن الثورة شعبية، ولأنها ليست إسلامية ولا يحزنون فإنه لا يستطيع أن يتدخل عسكرياً – أو حتى يشجب – الانتفاضة الباسلة، ولكنه بالتأكيد سيحاول إيجاد سبُل للتدخل الغير منظور.

خلاصة ما في الأمر، أن الانتفاضة التونسية أحيت الأمل في نفوس العباد، حتى إذا – لاقدر الله – التف بعض الرموز حول مطالب الشعب الحقيقية، أو اختطفها أحدهم، فإنها تبقى ذات دلالة حقيقية في واقعية فكرة التغيير السلمي في العالم العربي، وعلى التونسيين أن يكونوا على حذر في الأيام القادمة لضمان اكتمال انتصارهم.

الخميس، يناير 13، 2011

سيأتي الدور يا وجدي



عمرو مجدي – قصة قصيرة**

(1)

في ساعة متأخرة من الليل، تقلّب الوزير في فراشه الوثير متأففاً، تناولت زوجته "الريموت كنترول" وأشعلت إضاءة خافتة تمكنها من رؤية زوجها، "مابك"؟ تسأله في برود.. يعتدل في فراشه مجيباً دون النظر نحوها: "لا شيء".

بعد برهة من الصمت، يضغط الوزير زراً صغيراً في الجوار، تمر ثوانٍ قبل أن ترتفع ستارة مخملية في انسياب ويُفتح ورائها بابٌ جانبي صغير في الغرفة المترامية الأرجاء، لا تلحظه العين كأنه جزء من ديكور الحائط، يدلف منه طفل يافعٌ في بزة أنيقة أسفلها بنطلون قصير فوق الركبة كأنه جاء من حقبة الأربعينات، يدفع عربة متوسطة الحجم، رُصت فوقها عدة كؤوس مذهبة الأطراف وتحمل حوائطها نقوشاً من الفضة وأخرى من الذهب الخالص متداخلة في أشكال جميلة، وفي الرفِ السفلي من العربة كانت زجاجات الشامبانيا والنبيذ الأبيض والأحمر والبراندي والتيكلا والبيرة والمارتيني وغيرها من المشروبات الكحولية المستوردة جميعا من الخارج، قد لُفت بعناية داخل محارم قماشية ناعمة، ووضعت في آنية فضية بين قطع الثلج.

كانت هكذا عادته، لا يطلب مشروباً محدداً وإنما على خدمه إعداد ذات العربة كل يوم طالما سيدهم في المنزل، فهو يعاقر الخمر طوال الوقت، ولا يبتعد عنها إلا مرغماً قبل اجتماعاته مع الرئيس والشخصيات الهامة فقط.

أشار إلى زجاجة الشامبانيا، انهمك الصبي في فتحها .. استوقفته صفعة مدوية على خده من سيده أطاحت بالزجاجة على الأرض ملوثة السجاد الإيراني الفاخر، التقطها سيده وصبّ لنفسه كأساً، انتحى الصبي مكانه خلف العربة يدفعها عائداً من حيث جاء، والدموع تنسكب على خديه في صمت ووجنته تضرجها دماء الألم.

لم يستوقف بكاء الصبي أي من مجموعة الطباخين الليلية الموجودة في المطبخ (الصغير) القريب من الغرفة، لكنه هرع نحو أحدهم ويدعى (قاسم) – وكان أكبرهم سناً وأقربهم لقلبه - مصطدماً بكرشه، وأخذ يبكي في حُرقة لعدة دقائق، ربت (قاسم) على كتف (وجدي) عائداً إلى عمله، وقال وهو منهمك في تقشير بعض الثمر في الحوض: كل هذا من صفعة واحدة يا وجدي! كان سابقك يتلقى مثلها كل يوم عدة مرات دون أن يرفت له جفن! ثم ابتسم مشجعا: خذ أطباق المزة وزجاجة شامبانيا جديدة، لقد اكتشفت أنك نسيتها وحاولت اللاحق بك لكنك كنت قد ذهبت.

أعدّ (وجدي) ما قيل له وبدأ يدفع العربة عائداً إلى سيده بأطباق المزة متمنياً ألا يكون هناك أمر آخر هو الذي أزعج سيده، فعادته حينما يكون غاضباً ألا ينتقد أي تقصير، بل ينهال على المُقصِر بصفعة أو ركلة أو سباب أو مزيج منهم، وعلى الخادم أن يعود بعد دقائق قليلة بعد أن يكون قد اكتشف (خطأه) وصححه.

(وجدي) اخترق اسمه أذنيه قاطعاً أفكاره، التفت إلى (قاسم) الذي انتحى به جانباً وقال له في صوت خفيض وهو يتلفت حوله متأكداً ألا أحد منتبه: "إذا أردت أن تبكي فلا تبكِ أمامه، فإن هؤلاء تثيرهم في الخادم دموعه وخنوعه، فتهيج نفوسهم بالإيذاء أكثر".

كانت الزوجة قد استدعت عمال النظافة، دلفا إلى الغرفة – رجل وامرأة - من بابها الرئيسي بعد أن فتحته بالريموت كنترول، كان قميص نومها قصيراً شفافاً لا يستر مفاتنها، لكنها لم تحاول شد الغطاء الحريري فوق جسدها. انهمك العاملان في دعك السجادة وتصبينها بآلة كبيرة ذات شراشف خشنة، لا تصدر إلا صوتاً مكتوماً لا يكاد يُلحظ، ثم غادروا في هدوء بعد تجفيفها بآلة أخرى بعد أن زالت بقعة الكحول.

عاد (وجدي) إلى غرفة سيده دافعاً العربة تحمل أطباق المزة التي نسيها، ابتسم سيده في سرور ولمعت عيناه ببريق المنتصريين، صبّ لسيده كأساً، وهمّ بالخروج، لكن استوقفه نداء سيده، اقترب منه، اعتدل سيده في الفراش وأخذ الصبي بين رجليه مداعباً وجهه بيديه كأنه أباه. قال: "لا تزعل، أنت تعرف حبي لك، صح؟" طبع قبلة على خد الصبي، ثم اختلس نظرة إلى زوجته بسرعة قبل أن يطبع قبلة أخرى على شفتي الطفل امتدت لثوانٍ. بادله الصبي بقبلة مماثلة وأحس بيد الرجل تتحسس فخذيه العاريين، فابتسم في خجل، لكنه انتبه على صوت زوجته التي شاهدت ما يحدث من البداية متاجهلة إياه، وقالت موجهة حديثها لوجدي: "اذهب الآن وعد حينما نطلب منك شيئاً".

نظر لها زوجها في سخط وهي تتحرك نحو مرآة ضخمة لتعدل زينتها منتظراً خروج الصبي، وقال: ماذا تريدين؟ قالت: أريد أن أعرف ما بك؟ إنها ثالث ليلة تكون فيها حاد الطباع قلق المنام.

" ليس لديّ رغبة اليوم"، قالها وسحب الغطاء الحريري متظاهراً بالنوم.. اتجهت نحوه وجرت الغطاء قائلة: تعرف أني لا أقصد هذا حينما سألتك، وأضافت في كبرياء: أريد أن أعرف مادار في اجتماعك مع الرئيس، لقد تأكدت أنك اجتمعت معه.

كان يعرف أن زوجته تعرف كافة تفاصيل حياته الجنسية، صحيح أنه وزوجته لازالا يتبادلان الجنس أحياناً لكن كل منهما يعرف جيداً أن الآخر يخونه، وخاصة الزوج الذي تعددت أشكال علاقته مع نجمات الفن ومحترفات البغاء، وسيدات الأعمال الراغبات في بعض (التسهيلات)، فهو قطار جنسي لا يتوقف ولا يشبع، حتى امتدت علاقته إلى الأطفال، الذين بدأ يتشبث بوجود بعضهم ضمن قافلة خدمه، وليس (وجدي) سوى واحد منهم. أما هي فلم يكن يعرف كم مرة خانته لكنه متأكد من ذلك بعد أن أفصح له بعض الأصدقاء برؤيتهم لزوجته تقبل وزيراً أو فناناً مشهوراً قبلة ساخنة.

دارت تلك الأفكار في رأسه، محاولاً إيجاد مخرجٍ من الحوار، إنه فعلا قلق ومضطرب، بعد اجتماع ضمه مع الرئيس منذ ثلاثة أيام، وبّخه فيها بشدة على انفلات الزمام في عدة مدن، واندلاع المظاهرات العفوية المطالبة ببعض الحقوق الاجتماعية والسياسية، والأسوأ من ذلك أنه أول مرة يتجرأ فيها الناس على مهاجمة الرئيس ذاته في مظاهرة.

إنه لا يحب الإفضاء لزوجته بتفاصيل إخفاقاته المهنية، فلسانها لا يتوقف عن الإسرار في مجالس الهوانم وحفلات صفوة المجتمع عن أدق تفاصيل ما يتعرض له من إهانات من الرئيس أو غيره، وكأن هذه هي طريقتها في عقاب زوجها على خيانته.

"أية حقوق يا أولاد الكلب!!".. أفلتت منه العبارة بصوت مسموع انفعالا بأفكاره.. نظرت له زوجته في حدة ساءلة: ماذا قلت؟ نظر إليها في غيظ نافياً أن يكون قد قال شيئاً. عرفت أنها لن تحصل منه على الإجابة الشافية اليوم، أما هو فيعرف أنها بالطبع خمنت ما حدث، فالمظاهرات احتلت اهتمام وسائل الإعلام العربية والعالمية رغم محاولات مستميتة لكتمها، ولابد أنها خمنت أن هذا ما يقلقه الآن لكنها نهمة للتفاصيل كعادتها، لكنه تركها لظنونها محاولا النوم.. وقال في سره: الله يحرقك ويحرقهم في يوم واحد.

(2)

كان (وجدي مرزوق) ثالث شاب يحترق.. أشعل النار في نفسه، في وسط الشارع، جرى هنا وهناك كالمجنون من الألم، يصرخ والنار تأكله.. التف حوله الناس بالسترات وما لحقته أيديهم، أطفأوا ناره.. ومات. شاب عشريني حصل على مستوى من التعليم لا بأس به، بقي أربع سنوات بعد التخرج بلا عمل، يضغط على خطيبته للتقدم رسمياً.. تسأله: وأبي؟ لا أريد مهراً لكن المنزل؟ يعمل والداه بكد لإطعام إخوته الصغار والحفاظ على فرصتهم في التعليم. كان يفكر كثيراً في الانتحار من قبل، تراوحه الأفكار فيطردها .. يتشبث بالأمل.. يبحث عن وظيفة جيدة، يحب وطنه، يتابع الصحف التي تبرز فيها يومياً صورة كبيرة للرئيس، كل يومٍ هو في شأن، لكن لا وظيفة.. يكره وطنه.. يحاول الهجرة، يفشل في إيجاد المبلغ المطلوب من المال.. يحاول الانتحار بقطع شريانه، يتمزق أشلاءً ليس بفعل السكين، ولكن بفعل نظرات أمه المصروعة فزعاً وهو على فراش المشفى بعد المحاولة الفاشلة، وبكاء إخوته الصغار: "بنحبوك يا وجدي".. يبتسم في تهالك: "أنا كمان بحبكم، منقدرش نشوف دموعكم هاكا ثاني".

تمر الأسابيع كئيبة، بلا تغيير، وظائف صغيرة وأجر زهيد.. يأتيه الخبر يوماً: خطيبته تركته إلى حضن رجل آخر، ثلاث سنوات من الانتظار.. لا تعطل ابنتنا أكثر من ذلك. يهرع باكياً إلى جرفٍ قريب، يفكر في القفز فوق المصائب بطريقة أخرى أكثر فعالية. يعقله أصدقاؤه.. في طريق العودة يتوقفون عند المقهى المفضل: الناس كلها تتحدث عن المظاهرات المندلعة منذ يومين.. شاب أحرق نفسه، لم يجد عملاً.. يعود (وجدي) إلى منزله، اليوم غائمٌ من أيام الشتاء، نظر في شفقة إلى أخويه الصغيرين، النائمين في هدوء.. شعر بألم رهيب أن يجري عليهما ما جرى عليه.. كتب رسالته في ورقة كبيرة، (سأموت لتحيون.. ماحنشوفوش دموعكم، حنشوف ضحتكم).. وأحرق نفسه.

لم يصوره أحد وهو يحترق، لكن صورة جثته المتفحمة، لم تختلف عن صورة سابقيه.. سوداء مفزعة بلا ملامح.. احتشد الناس في جنازته هذه المرة، تحولت بعد دفنه إلى تظاهرة.. لم يعرف الناس الذين سمعوا خبر انتحاره عبر الفضائيات ومواقع الإنترنت تفاصيل قصته، لكنهم عاشوها.. فكل منهم تحكي حياته نسخة منها ببعض التعديلات.. تزداد الهتافات سخونة: "كلنا وجدي".. الأم تبكي والنساء يصرخن.. الشرطة تشتبك لتفريقهم عنوة، والشباب يقاوم ويقذف بالحجارة.. الشرطة ترد والمظاهرة تتضخم إثر اعتداء الجنود على النساء والمتظاهرين، جندي يفقد أعصابه.. يطلق رصاصاً حياً.. يلحق أحدهم بـ (وجدي). وحمي الوطيس.

(3)

في اليوم التالي تحول مكتب الوزير إلى فوضى عارمة لكثرة الأوراق والتقارير المعروضة أمامه، كان على اتصال مباشر مع مرؤوسيه في مناطق التظاهرات، أصدر أوامرهم له بفرض حظر للتجوال من غروب الشمس وحتى السادسة صباحاً، على الخط الأحمر كان الرئيس على اتصال يومي معه..

حاول إقناع الرئيس أن جميع مخبري الأمن في الأحزاب السياسية "المعارضة" أكدوا أن تلك الأحزاب ليست وراء التظاهرات ولم تشجعها، وأن الحركات الإسلامية كذلك فاشلة في تواصلها مع الشعب، وأن المتظاهرين مجموعات من الشباب "التافه"، لكن الرئيس صمم على ضرورة التأكد من المصدر خلف التظاهرات. طالبه بالمزيد من الحزم والقسوة، كل من يخالف الأوامر فليزج به في السجن، أية تظاهرات يجب قمعها ولو أدت إلى نتائج دامية.

إنه ليس في حاجة لهذه الإشارة الصريحة من الرئيس، فهو بالفعل لم يدخر وسعاً، عنف القيادات الأمنية وأمرها بحزم أكبر، أرسل تعزيزات أمنية إلى المناطق، وسائل الإعلام مجندة له لنشر أي بيانات، وهي تخرج الشباب المتظاهر على أنهم فوضويين مشاغبين، قال لأتباعه إنه لا بأس إن قام الجنود بتكسير بعض المرافق والسيارات وتصويرها بحسبانها نتائج لعبث الفوضويين. في ذات الوقت كان يتابع تقريراً تلفزيونياً يظهر والدي "الشهيد" (وجدي مرزوق) وقيام المحافظ بتعزيتهما بنفسه، وتخصيص مبلغ مالي محترم تعويضاً عن الفقيد.. وبرغم كل ذلك فإنه لا يعرف كي تنتقل أخبار هؤلاء الحثالة، وكيف وصلت صور القتيل ورسالته الخطية إلى مواقع الإنترنت.. كان يشعر أن ثمة ثغرة في السياج الأمن – إعلامي الذي يطوق به الأحداث. لذلك استدعى رئيس قطاع أمن المعلومات والإنترنت.. حاول الرجل أن يشرح له أن مواقع مثل "تويتر" و"يتوتيوب" و"فيس بوك" هي مواقع غربية وليست ملك لنا أو حتى تدار في دولتنا ولا يمكن غلقها، لكن دون جدوى، لم يكن عقل الوزير ليستوعب هذه الأمور.. طلب منه تكثيف مراقبة الرسائل الإلكترونية وحجب تلك المواقع بشتى السبل.

(4)

هدأ الوضع في البلدة إلى حين، كان حظر التجوال نظاما فعالا في تهدئة المظاهرات.. التي كانت تتجدد بؤرها في بلدات أخرى.. وكأنه تكاثر ميتوزي..

كان (وجدي مبارك) شاباً لطيفاً من سكان بلدة مجاورة، فُرض فيها حظر التجول تحفظياً رغم عدم اندلاع أي مسيرات بها.. اتجه وجدي بعربته التي يبيع عليها بعض الخضراوات إلى مكانه المعتاد في السوق، عاد إلى منزله ظهراً.. كان يعيش وحيداً بعد وفاة والديه، لم يحظ بفرصة في الزواج حتى الآن لأنه أصم.. في المساء قرر الذهاب لقضاء بعض مصالحه وشحن عربته ببضاعة الغد، لاحظ خلو الطريق من المارة بشكل غير معتاد، لم يسمع وجدي دويّ ميكروفون يصدح من عربة شرطة قريبة تأمر المواطنين بالتزام بيوتهم، وتهددهم بالاعتقال الفوري.. لم يسمع (وجدي) دوي الميكروفون وهو يتوجه إليه بالخطاب، لم يسمع (وجدي) صوت طلقات تحذيرية في الهواء وإن تساءل في ذاته عن كنه ذاك الصوت الغريب الذي وصله خافتاً .. الصوت يأمره بالتوقف فلا يتوقف.. تمشي السيارة بمحاذاته، يقفز منها جنديان مسلحان، يُدرك (وجدي) في رعب أنهما يقصدانه، يدفع عربته جانباً وكأنه يحميها منهم، يمسكانه في عنف وينهالان عليه ضرباً.. يسألانه عن اسمه.. لا يسمع.. بطاقة هويتك؟ لا يسمع.. لماذا خرجت مساءً؟ لا يسمع.. سُباب كثير لم يسمعه وإن قرأه في الوجوه.. تفلة في وجهه، يهيج على إثرها غضباً يركل أحد الجنديين في بطنه، تنهال عليه الضربات حتى يستكين فاقداً الوعي..

في مخفر الشرطة يدركان أخيراً أنه أصم.. لكنهما يخجلان من إعلان ذلك لمأمور القسم، يتفقان على تلفيق تهمة للشاب، كان يحمل ملصقات على عربته مغطياً إياها بالخضراوات.. حاول الفوضويون استغلال تعاطف الشرطة معه حينما يعرفان أنه أصم، لكنهما كشفا الملعوب.. أي تهمة أجمل من ذلك؟ يقتنع مأمور القسم، يذهب للتحقيق بنفسه مع (وجدي)..

اختفى (وجدي) ليومين، تفقده أصدقاؤه فلم يجدوه، لكنه ظهر لهم بعد يومين، دعت الشرطة أحد معارفه لتسلمه، الراحل شنق نفسه في المخفر بسبب خوفه من الشرطة.. أوامر بتغطية جثته، واقتصار الجنازة على الدفن ليلاً.. الأصدقاء يرون الرأس المشجوج، وأثار تعذيب بادية على جسده.. تنتشر القصة.. تندلع الإضرابات في السوق.. مرة أخرى، صورة القتيل تجد طريقها للإنترنت.

(5)

لم يعد الوزير يبات في منزله، أصبح يفضل المبيت في الشقة الصغيرة الملحقة بعمله في الوزارة، لتفادي شماتة زوجته.. لولا أنها بنت رجل أعمال كبير يمُتّ بقرابة مباشرة لزوجة الرئيس لطلقها كسابقاتها.. حاول الترويح عن نفسه باستدعاء امرأة أثيرة إلى نفسه، لكنها انصرفت غاضبة بعد أن انفعل عليها بسبب حديثها عن قسوة الشرطة على المتظاهرين، القلق يأكله، الرئيس لم يعد يتصل به. . لازال يسمع صوته في آخر مكالمة كالفحيح: إن شرارة الاحتجاجات تنتقل إلى دول مجاورة، وإن عليه التنسيق المفتوح مع المخابرات العربية ومخابرات دولة عظمى تدرس الأمر وسبل إيقافه. إنه يدرك مصدر قلق الرئيس فالقوى العظمى التي تسانده قد تستغني عنه إذا احترقت ورقته ببساطة.

المظاهرات بشكل شيطاني.. إنه لا يكاد يصدق نفسه.. كل هؤلاء القتلى الذين أخفى الإعلام عددهم الحقيقي.. الشرطة تستخدم الرصاص الحي أحياناً والمظاهرات لا تتوقف.. تنتقل من نقابة إلى نقابة، ومن اتحاد إلى اتحاد.. ومن جامعة إلى مدرسة. الإضرابات تدخل أسبوعها الثالث دون جدوى.

في التلفاز يرى خبر استدعاء الجيش لحماية المنشآت العامة، يقذف بالكأس في يده على الحائط في عنف.. الجيش يتدخل! ودون أن يستشيرني الرئيس! يستشاط غضباً..

(6)

التظاهرات تجد طريقها إلى العاصمة، والهتافات أصبحت تتركز على مهاجمة الرئيس.. في الميادين الرئيسية تنتشر مدرعات الجيش حول المنشآت الحكومية ومراكز الشرطة.

في الميدان يقف العقيد (وجدي براء) بالجيش يتابع عن كثب تحركات قواته ميدانياً، التظاهرات تتحرك صوب الميدان، والشرطة تحاول تفريقها.. قادة المظاهرة يؤكدون على سلميتها، ويطالبون المتظاهرين بالهدوء.. الشرطة تأمرهم بالتفرق فلا يخضعون. تنطلق قنابل الغاز فيرد البعض بالحجارة.. يتوتر الجو.. ويتوتر (وجدي).. يدهشه المشهد الذي كان بعيداً عنه.. يذكره بأيام بعيدة حكاها له أبوه دوماً عن مقاومة الاحتلال بصدور عارية، فكانت السبب في التحاقه بالجيش.

الشرطة تطلق الرصاص في الهواء، في تحذير أخير.. يتوتر (وجدي).. عليه أن يفكر بسرعة.. يتردد.. ربما يقع ضحايا.. يحسم تردده.. يصدر أوامره لقواته. يجري (وجدي) صوب التظاهرة.. يتوجس المتظاهرون خيفة.. صوت الأقدام في نعالها الثقيلة وهمهمات قوات الجيش لها وقع مختلف.. يتحرك (وجدي) في سرعة.. ينزع سلاح جندي من الشرطة في المقدمة.. ويرميه أرضاً في غضب.. تحول قوات الجيش دون الشرطة والمتظاهرين. تتخاذل أذرعهم وكأن لسعة أصابتهم جميعاً.. يصرخ قائد الشرطة غضباً، لكن صراخه يضيع وسط هتافٍ حار "الله أكبر" هز وجدان المدينة.

مشهد (7)

يتابع (قاسم) في التلفزة الرسمية خبر إقالة سيده، والإفراج عن المعتقلين في غبطة.. لقد سرى الخبر في "القصر" انتشار النار في الهشيم، من قبل إعلانه رسمياً.. عاد سيدهم إلى القصر أمس مهدل الكتفين أحدب الظهر كأنه زاد خمسون عاماً على خمسينه، وسحبت منه الحراسة الرسمية.

الرئيس أفرج عن المعتقلين وجعل سيده كبش فداء فما أتعسه! كان (قاسم) قد قرر الانضمام إلى دعوة الإضراب العامة، ورغم تراجع الرئيس عن تهديداته الصارمة، ووعوده بالاستجابة لمطالب المتظاهرين فإن الإضرابات لم تتوقف.. كانت إقالة سيده مثار غبطة جميع الخدم والحشم على الرغم من أن إقالته قد تعني الاستغناء عن خدماتهم فلم يعد وزيراً بعد اليوم، فمتى يحين دور الرئيس؟

اصطحب (قاسم) الصبي (وجدي) من يده، توجه نحو مكتب سيده حيث أخذ يشرب منذ ساعتين دون توقف.. طرق الباب ودلف دون انتظار للإذن.. توجه نحو الوزير السابق، الذي تطلع إليه بعينين حمراوتين وجسد غير متزن: من أذن لك بالدخول يا حيوان؟ ابتسم (قاسم) في هدوء وقال: قررت الرحيل وأردت أن أصفي ديني، نظر له الوزير السابق في اشمئزاز وقال له: بلغني ذلك، وستصلك مستحقاتك في وقتها، اغرب عن وجهي. ازدادت ابتسامة (قاسم) اتساعاً وقال: إنما عنيت شيئاً آخر، وبسرعة.. انحنى صافعا سيده بقوة ارتج لها جسده، بينما ضحك (وجدي) ملأ شدقيه لنظرة الرعب والدهشة في وجه سيده السكران.

----------------------------------------------

** القصة مبنية على وقائع حقيقية.. أي تشابه في الشخصيات الواردة وبين الواقع هو من قبيل الصدفة المحضة التي تكرر كثيراً ولا مؤاخذة. والقصة مهداة إلى شعب تونس الشقيق.

** استمع لأغنية تونس الخضراء .. أغنية المقاومة التونسية ضد الاستعمار الفرنسي والخونة.. غناء هند صبري