عمرو مجدي – قصة قصيرة**
(1)
في ساعة متأخرة من الليل، تقلّب الوزير في فراشه الوثير متأففاً، تناولت زوجته "الريموت كنترول" وأشعلت إضاءة خافتة تمكنها من رؤية زوجها، "مابك"؟ تسأله في برود.. يعتدل في فراشه مجيباً دون النظر نحوها: "لا شيء".
بعد برهة من الصمت، يضغط الوزير زراً صغيراً في الجوار، تمر ثوانٍ قبل أن ترتفع ستارة مخملية في انسياب ويُفتح ورائها بابٌ جانبي صغير في الغرفة المترامية الأرجاء، لا تلحظه العين كأنه جزء من ديكور الحائط، يدلف منه طفل يافعٌ في بزة أنيقة أسفلها بنطلون قصير فوق الركبة كأنه جاء من حقبة الأربعينات، يدفع عربة متوسطة الحجم، رُصت فوقها عدة كؤوس مذهبة الأطراف وتحمل حوائطها نقوشاً من الفضة وأخرى من الذهب الخالص متداخلة في أشكال جميلة، وفي الرفِ السفلي من العربة كانت زجاجات الشامبانيا والنبيذ الأبيض والأحمر والبراندي والتيكلا والبيرة والمارتيني وغيرها من المشروبات الكحولية المستوردة جميعا من الخارج، قد لُفت بعناية داخل محارم قماشية ناعمة، ووضعت في آنية فضية بين قطع الثلج.
كانت هكذا عادته، لا يطلب مشروباً محدداً وإنما على خدمه إعداد ذات العربة كل يوم طالما سيدهم في المنزل، فهو يعاقر الخمر طوال الوقت، ولا يبتعد عنها إلا مرغماً قبل اجتماعاته مع الرئيس والشخصيات الهامة فقط.
أشار إلى زجاجة الشامبانيا، انهمك الصبي في فتحها .. استوقفته صفعة مدوية على خده من سيده أطاحت بالزجاجة على الأرض ملوثة السجاد الإيراني الفاخر، التقطها سيده وصبّ لنفسه كأساً، انتحى الصبي مكانه خلف العربة يدفعها عائداً من حيث جاء، والدموع تنسكب على خديه في صمت ووجنته تضرجها دماء الألم.
لم يستوقف بكاء الصبي أي من مجموعة الطباخين الليلية الموجودة في المطبخ (الصغير) القريب من الغرفة، لكنه هرع نحو أحدهم ويدعى (قاسم) – وكان أكبرهم سناً وأقربهم لقلبه - مصطدماً بكرشه، وأخذ يبكي في حُرقة لعدة دقائق، ربت (قاسم) على كتف (وجدي) عائداً إلى عمله، وقال وهو منهمك في تقشير بعض الثمر في الحوض: كل هذا من صفعة واحدة يا وجدي! كان سابقك يتلقى مثلها كل يوم عدة مرات دون أن يرفت له جفن! ثم ابتسم مشجعا: خذ أطباق المزة وزجاجة شامبانيا جديدة، لقد اكتشفت أنك نسيتها وحاولت اللاحق بك لكنك كنت قد ذهبت.
أعدّ (وجدي) ما قيل له وبدأ يدفع العربة عائداً إلى سيده بأطباق المزة متمنياً ألا يكون هناك أمر آخر هو الذي أزعج سيده، فعادته حينما يكون غاضباً ألا ينتقد أي تقصير، بل ينهال على المُقصِر بصفعة أو ركلة أو سباب أو مزيج منهم، وعلى الخادم أن يعود بعد دقائق قليلة بعد أن يكون قد اكتشف (خطأه) وصححه.
(وجدي) اخترق اسمه أذنيه قاطعاً أفكاره، التفت إلى (قاسم) الذي انتحى به جانباً وقال له في صوت خفيض وهو يتلفت حوله متأكداً ألا أحد منتبه: "إذا أردت أن تبكي فلا تبكِ أمامه، فإن هؤلاء تثيرهم في الخادم دموعه وخنوعه، فتهيج نفوسهم بالإيذاء أكثر".
كانت الزوجة قد استدعت عمال النظافة، دلفا إلى الغرفة – رجل وامرأة - من بابها الرئيسي بعد أن فتحته بالريموت كنترول، كان قميص نومها قصيراً شفافاً لا يستر مفاتنها، لكنها لم تحاول شد الغطاء الحريري فوق جسدها. انهمك العاملان في دعك السجادة وتصبينها بآلة كبيرة ذات شراشف خشنة، لا تصدر إلا صوتاً مكتوماً لا يكاد يُلحظ، ثم غادروا في هدوء بعد تجفيفها بآلة أخرى بعد أن زالت بقعة الكحول.
عاد (وجدي) إلى غرفة سيده دافعاً العربة تحمل أطباق المزة التي نسيها، ابتسم سيده في سرور ولمعت عيناه ببريق المنتصريين، صبّ لسيده كأساً، وهمّ بالخروج، لكن استوقفه نداء سيده، اقترب منه، اعتدل سيده في الفراش وأخذ الصبي بين رجليه مداعباً وجهه بيديه كأنه أباه. قال: "لا تزعل، أنت تعرف حبي لك، صح؟" طبع قبلة على خد الصبي، ثم اختلس نظرة إلى زوجته بسرعة قبل أن يطبع قبلة أخرى على شفتي الطفل امتدت لثوانٍ. بادله الصبي بقبلة مماثلة وأحس بيد الرجل تتحسس فخذيه العاريين، فابتسم في خجل، لكنه انتبه على صوت زوجته التي شاهدت ما يحدث من البداية متاجهلة إياه، وقالت موجهة حديثها لوجدي: "اذهب الآن وعد حينما نطلب منك شيئاً".
نظر لها زوجها في سخط وهي تتحرك نحو مرآة ضخمة لتعدل زينتها منتظراً خروج الصبي، وقال: ماذا تريدين؟ قالت: أريد أن أعرف ما بك؟ إنها ثالث ليلة تكون فيها حاد الطباع قلق المنام.
" ليس لديّ رغبة اليوم"، قالها وسحب الغطاء الحريري متظاهراً بالنوم.. اتجهت نحوه وجرت الغطاء قائلة: تعرف أني لا أقصد هذا حينما سألتك، وأضافت في كبرياء: أريد أن أعرف مادار في اجتماعك مع الرئيس، لقد تأكدت أنك اجتمعت معه.
كان يعرف أن زوجته تعرف كافة تفاصيل حياته الجنسية، صحيح أنه وزوجته لازالا يتبادلان الجنس أحياناً لكن كل منهما يعرف جيداً أن الآخر يخونه، وخاصة الزوج الذي تعددت أشكال علاقته مع نجمات الفن ومحترفات البغاء، وسيدات الأعمال الراغبات في بعض (التسهيلات)، فهو قطار جنسي لا يتوقف ولا يشبع، حتى امتدت علاقته إلى الأطفال، الذين بدأ يتشبث بوجود بعضهم ضمن قافلة خدمه، وليس (وجدي) سوى واحد منهم. أما هي فلم يكن يعرف كم مرة خانته لكنه متأكد من ذلك بعد أن أفصح له بعض الأصدقاء برؤيتهم لزوجته تقبل وزيراً أو فناناً مشهوراً قبلة ساخنة.
دارت تلك الأفكار في رأسه، محاولاً إيجاد مخرجٍ من الحوار، إنه فعلا قلق ومضطرب، بعد اجتماع ضمه مع الرئيس منذ ثلاثة أيام، وبّخه فيها بشدة على انفلات الزمام في عدة مدن، واندلاع المظاهرات العفوية المطالبة ببعض الحقوق الاجتماعية والسياسية، والأسوأ من ذلك أنه أول مرة يتجرأ فيها الناس على مهاجمة الرئيس ذاته في مظاهرة.
إنه لا يحب الإفضاء لزوجته بتفاصيل إخفاقاته المهنية، فلسانها لا يتوقف عن الإسرار في مجالس الهوانم وحفلات صفوة المجتمع عن أدق تفاصيل ما يتعرض له من إهانات من الرئيس أو غيره، وكأن هذه هي طريقتها في عقاب زوجها على خيانته.
"أية حقوق يا أولاد الكلب!!".. أفلتت منه العبارة بصوت مسموع انفعالا بأفكاره.. نظرت له زوجته في حدة ساءلة: ماذا قلت؟ نظر إليها في غيظ نافياً أن يكون قد قال شيئاً. عرفت أنها لن تحصل منه على الإجابة الشافية اليوم، أما هو فيعرف أنها بالطبع خمنت ما حدث، فالمظاهرات احتلت اهتمام وسائل الإعلام العربية والعالمية رغم محاولات مستميتة لكتمها، ولابد أنها خمنت أن هذا ما يقلقه الآن لكنها نهمة للتفاصيل كعادتها، لكنه تركها لظنونها محاولا النوم.. وقال في سره: الله يحرقك ويحرقهم في يوم واحد.
(2)
كان (وجدي مرزوق) ثالث شاب يحترق.. أشعل النار في نفسه، في وسط الشارع، جرى هنا وهناك كالمجنون من الألم، يصرخ والنار تأكله.. التف حوله الناس بالسترات وما لحقته أيديهم، أطفأوا ناره.. ومات. شاب عشريني حصل على مستوى من التعليم لا بأس به، بقي أربع سنوات بعد التخرج بلا عمل، يضغط على خطيبته للتقدم رسمياً.. تسأله: وأبي؟ لا أريد مهراً لكن المنزل؟ يعمل والداه بكد لإطعام إخوته الصغار والحفاظ على فرصتهم في التعليم. كان يفكر كثيراً في الانتحار من قبل، تراوحه الأفكار فيطردها .. يتشبث بالأمل.. يبحث عن وظيفة جيدة، يحب وطنه، يتابع الصحف التي تبرز فيها يومياً صورة كبيرة للرئيس، كل يومٍ هو في شأن، لكن لا وظيفة.. يكره وطنه.. يحاول الهجرة، يفشل في إيجاد المبلغ المطلوب من المال.. يحاول الانتحار بقطع شريانه، يتمزق أشلاءً ليس بفعل السكين، ولكن بفعل نظرات أمه المصروعة فزعاً وهو على فراش المشفى بعد المحاولة الفاشلة، وبكاء إخوته الصغار: "بنحبوك يا وجدي".. يبتسم في تهالك: "أنا كمان بحبكم، منقدرش نشوف دموعكم هاكا ثاني".
تمر الأسابيع كئيبة، بلا تغيير، وظائف صغيرة وأجر زهيد.. يأتيه الخبر يوماً: خطيبته تركته إلى حضن رجل آخر، ثلاث سنوات من الانتظار.. لا تعطل ابنتنا أكثر من ذلك. يهرع باكياً إلى جرفٍ قريب، يفكر في القفز فوق المصائب بطريقة أخرى أكثر فعالية. يعقله أصدقاؤه.. في طريق العودة يتوقفون عند المقهى المفضل: الناس كلها تتحدث عن المظاهرات المندلعة منذ يومين.. شاب أحرق نفسه، لم يجد عملاً.. يعود (وجدي) إلى منزله، اليوم غائمٌ من أيام الشتاء، نظر في شفقة إلى أخويه الصغيرين، النائمين في هدوء.. شعر بألم رهيب أن يجري عليهما ما جرى عليه.. كتب رسالته في ورقة كبيرة، (سأموت لتحيون.. ماحنشوفوش دموعكم، حنشوف ضحتكم).. وأحرق نفسه.
لم يصوره أحد وهو يحترق، لكن صورة جثته المتفحمة، لم تختلف عن صورة سابقيه.. سوداء مفزعة بلا ملامح.. احتشد الناس في جنازته هذه المرة، تحولت بعد دفنه إلى تظاهرة.. لم يعرف الناس الذين سمعوا خبر انتحاره عبر الفضائيات ومواقع الإنترنت تفاصيل قصته، لكنهم عاشوها.. فكل منهم تحكي حياته نسخة منها ببعض التعديلات.. تزداد الهتافات سخونة: "كلنا وجدي".. الأم تبكي والنساء يصرخن.. الشرطة تشتبك لتفريقهم عنوة، والشباب يقاوم ويقذف بالحجارة.. الشرطة ترد والمظاهرة تتضخم إثر اعتداء الجنود على النساء والمتظاهرين، جندي يفقد أعصابه.. يطلق رصاصاً حياً.. يلحق أحدهم بـ (وجدي). وحمي الوطيس.
(3)
في اليوم التالي تحول مكتب الوزير إلى فوضى عارمة لكثرة الأوراق والتقارير المعروضة أمامه، كان على اتصال مباشر مع مرؤوسيه في مناطق التظاهرات، أصدر أوامرهم له بفرض حظر للتجوال من غروب الشمس وحتى السادسة صباحاً، على الخط الأحمر كان الرئيس على اتصال يومي معه..
حاول إقناع الرئيس أن جميع مخبري الأمن في الأحزاب السياسية "المعارضة" أكدوا أن تلك الأحزاب ليست وراء التظاهرات ولم تشجعها، وأن الحركات الإسلامية كذلك فاشلة في تواصلها مع الشعب، وأن المتظاهرين مجموعات من الشباب "التافه"، لكن الرئيس صمم على ضرورة التأكد من المصدر خلف التظاهرات. طالبه بالمزيد من الحزم والقسوة، كل من يخالف الأوامر فليزج به في السجن، أية تظاهرات يجب قمعها ولو أدت إلى نتائج دامية.
إنه ليس في حاجة لهذه الإشارة الصريحة من الرئيس، فهو بالفعل لم يدخر وسعاً، عنف القيادات الأمنية وأمرها بحزم أكبر، أرسل تعزيزات أمنية إلى المناطق، وسائل الإعلام مجندة له لنشر أي بيانات، وهي تخرج الشباب المتظاهر على أنهم فوضويين مشاغبين، قال لأتباعه إنه لا بأس إن قام الجنود بتكسير بعض المرافق والسيارات وتصويرها بحسبانها نتائج لعبث الفوضويين. في ذات الوقت كان يتابع تقريراً تلفزيونياً يظهر والدي "الشهيد" (وجدي مرزوق) وقيام المحافظ بتعزيتهما بنفسه، وتخصيص مبلغ مالي محترم تعويضاً عن الفقيد.. وبرغم كل ذلك فإنه لا يعرف كي تنتقل أخبار هؤلاء الحثالة، وكيف وصلت صور القتيل ورسالته الخطية إلى مواقع الإنترنت.. كان يشعر أن ثمة ثغرة في السياج الأمن – إعلامي الذي يطوق به الأحداث. لذلك استدعى رئيس قطاع أمن المعلومات والإنترنت.. حاول الرجل أن يشرح له أن مواقع مثل "تويتر" و"يتوتيوب" و"فيس بوك" هي مواقع غربية وليست ملك لنا أو حتى تدار في دولتنا ولا يمكن غلقها، لكن دون جدوى، لم يكن عقل الوزير ليستوعب هذه الأمور.. طلب منه تكثيف مراقبة الرسائل الإلكترونية وحجب تلك المواقع بشتى السبل.
(4)
هدأ الوضع في البلدة إلى حين، كان حظر التجوال نظاما فعالا في تهدئة المظاهرات.. التي كانت تتجدد بؤرها في بلدات أخرى.. وكأنه تكاثر ميتوزي..
كان (وجدي مبارك) شاباً لطيفاً من سكان بلدة مجاورة، فُرض فيها حظر التجول تحفظياً رغم عدم اندلاع أي مسيرات بها.. اتجه وجدي بعربته التي يبيع عليها بعض الخضراوات إلى مكانه المعتاد في السوق، عاد إلى منزله ظهراً.. كان يعيش وحيداً بعد وفاة والديه، لم يحظ بفرصة في الزواج حتى الآن لأنه أصم.. في المساء قرر الذهاب لقضاء بعض مصالحه وشحن عربته ببضاعة الغد، لاحظ خلو الطريق من المارة بشكل غير معتاد، لم يسمع وجدي دويّ ميكروفون يصدح من عربة شرطة قريبة تأمر المواطنين بالتزام بيوتهم، وتهددهم بالاعتقال الفوري.. لم يسمع (وجدي) دوي الميكروفون وهو يتوجه إليه بالخطاب، لم يسمع (وجدي) صوت طلقات تحذيرية في الهواء وإن تساءل في ذاته عن كنه ذاك الصوت الغريب الذي وصله خافتاً .. الصوت يأمره بالتوقف فلا يتوقف.. تمشي السيارة بمحاذاته، يقفز منها جنديان مسلحان، يُدرك (وجدي) في رعب أنهما يقصدانه، يدفع عربته جانباً وكأنه يحميها منهم، يمسكانه في عنف وينهالان عليه ضرباً.. يسألانه عن اسمه.. لا يسمع.. بطاقة هويتك؟ لا يسمع.. لماذا خرجت مساءً؟ لا يسمع.. سُباب كثير لم يسمعه وإن قرأه في الوجوه.. تفلة في وجهه، يهيج على إثرها غضباً يركل أحد الجنديين في بطنه، تنهال عليه الضربات حتى يستكين فاقداً الوعي..
في مخفر الشرطة يدركان أخيراً أنه أصم.. لكنهما يخجلان من إعلان ذلك لمأمور القسم، يتفقان على تلفيق تهمة للشاب، كان يحمل ملصقات على عربته مغطياً إياها بالخضراوات.. حاول الفوضويون استغلال تعاطف الشرطة معه حينما يعرفان أنه أصم، لكنهما كشفا الملعوب.. أي تهمة أجمل من ذلك؟ يقتنع مأمور القسم، يذهب للتحقيق بنفسه مع (وجدي)..
اختفى (وجدي) ليومين، تفقده أصدقاؤه فلم يجدوه، لكنه ظهر لهم بعد يومين، دعت الشرطة أحد معارفه لتسلمه، الراحل شنق نفسه في المخفر بسبب خوفه من الشرطة.. أوامر بتغطية جثته، واقتصار الجنازة على الدفن ليلاً.. الأصدقاء يرون الرأس المشجوج، وأثار تعذيب بادية على جسده.. تنتشر القصة.. تندلع الإضرابات في السوق.. مرة أخرى، صورة القتيل تجد طريقها للإنترنت.
(5)
لم يعد الوزير يبات في منزله، أصبح يفضل المبيت في الشقة الصغيرة الملحقة بعمله في الوزارة، لتفادي شماتة زوجته.. لولا أنها بنت رجل أعمال كبير يمُتّ بقرابة مباشرة لزوجة الرئيس لطلقها كسابقاتها.. حاول الترويح عن نفسه باستدعاء امرأة أثيرة إلى نفسه، لكنها انصرفت غاضبة بعد أن انفعل عليها بسبب حديثها عن قسوة الشرطة على المتظاهرين، القلق يأكله، الرئيس لم يعد يتصل به. . لازال يسمع صوته في آخر مكالمة كالفحيح: إن شرارة الاحتجاجات تنتقل إلى دول مجاورة، وإن عليه التنسيق المفتوح مع المخابرات العربية ومخابرات دولة عظمى تدرس الأمر وسبل إيقافه. إنه يدرك مصدر قلق الرئيس فالقوى العظمى التي تسانده قد تستغني عنه إذا احترقت ورقته ببساطة.
المظاهرات بشكل شيطاني.. إنه لا يكاد يصدق نفسه.. كل هؤلاء القتلى الذين أخفى الإعلام عددهم الحقيقي.. الشرطة تستخدم الرصاص الحي أحياناً والمظاهرات لا تتوقف.. تنتقل من نقابة إلى نقابة، ومن اتحاد إلى اتحاد.. ومن جامعة إلى مدرسة. الإضرابات تدخل أسبوعها الثالث دون جدوى.
في التلفاز يرى خبر استدعاء الجيش لحماية المنشآت العامة، يقذف بالكأس في يده على الحائط في عنف.. الجيش يتدخل! ودون أن يستشيرني الرئيس! يستشاط غضباً..
(6)
التظاهرات تجد طريقها إلى العاصمة، والهتافات أصبحت تتركز على مهاجمة الرئيس.. في الميادين الرئيسية تنتشر مدرعات الجيش حول المنشآت الحكومية ومراكز الشرطة.
في الميدان يقف العقيد (وجدي براء) بالجيش يتابع عن كثب تحركات قواته ميدانياً، التظاهرات تتحرك صوب الميدان، والشرطة تحاول تفريقها.. قادة المظاهرة يؤكدون على سلميتها، ويطالبون المتظاهرين بالهدوء.. الشرطة تأمرهم بالتفرق فلا يخضعون. تنطلق قنابل الغاز فيرد البعض بالحجارة.. يتوتر الجو.. ويتوتر (وجدي).. يدهشه المشهد الذي كان بعيداً عنه.. يذكره بأيام بعيدة حكاها له أبوه دوماً عن مقاومة الاحتلال بصدور عارية، فكانت السبب في التحاقه بالجيش.
الشرطة تطلق الرصاص في الهواء، في تحذير أخير.. يتوتر (وجدي).. عليه أن يفكر بسرعة.. يتردد.. ربما يقع ضحايا.. يحسم تردده.. يصدر أوامره لقواته. يجري (وجدي) صوب التظاهرة.. يتوجس المتظاهرون خيفة.. صوت الأقدام في نعالها الثقيلة وهمهمات قوات الجيش لها وقع مختلف.. يتحرك (وجدي) في سرعة.. ينزع سلاح جندي من الشرطة في المقدمة.. ويرميه أرضاً في غضب.. تحول قوات الجيش دون الشرطة والمتظاهرين. تتخاذل أذرعهم وكأن لسعة أصابتهم جميعاً.. يصرخ قائد الشرطة غضباً، لكن صراخه يضيع وسط هتافٍ حار "الله أكبر" هز وجدان المدينة.
مشهد (7)
يتابع (قاسم) في التلفزة الرسمية خبر إقالة سيده، والإفراج عن المعتقلين في غبطة.. لقد سرى الخبر في "القصر" انتشار النار في الهشيم، من قبل إعلانه رسمياً.. عاد سيدهم إلى القصر أمس مهدل الكتفين أحدب الظهر كأنه زاد خمسون عاماً على خمسينه، وسحبت منه الحراسة الرسمية.
الرئيس أفرج عن المعتقلين وجعل سيده كبش فداء فما أتعسه! كان (قاسم) قد قرر الانضمام إلى دعوة الإضراب العامة، ورغم تراجع الرئيس عن تهديداته الصارمة، ووعوده بالاستجابة لمطالب المتظاهرين فإن الإضرابات لم تتوقف.. كانت إقالة سيده مثار غبطة جميع الخدم والحشم على الرغم من أن إقالته قد تعني الاستغناء عن خدماتهم فلم يعد وزيراً بعد اليوم، فمتى يحين دور الرئيس؟
اصطحب (قاسم) الصبي (وجدي) من يده، توجه نحو مكتب سيده حيث أخذ يشرب منذ ساعتين دون توقف.. طرق الباب ودلف دون انتظار للإذن.. توجه نحو الوزير السابق، الذي تطلع إليه بعينين حمراوتين وجسد غير متزن: من أذن لك بالدخول يا حيوان؟ ابتسم (قاسم) في هدوء وقال: قررت الرحيل وأردت أن أصفي ديني، نظر له الوزير السابق في اشمئزاز وقال له: بلغني ذلك، وستصلك مستحقاتك في وقتها، اغرب عن وجهي. ازدادت ابتسامة (قاسم) اتساعاً وقال: إنما عنيت شيئاً آخر، وبسرعة.. انحنى صافعا سيده بقوة ارتج لها جسده، بينما ضحك (وجدي) ملأ شدقيه لنظرة الرعب والدهشة في وجه سيده السكران.
----------------------------------------------
** القصة مبنية على وقائع حقيقية.. أي تشابه في الشخصيات الواردة وبين الواقع هو من قبيل الصدفة المحضة التي تكرر كثيراً ولا مؤاخذة. والقصة مهداة إلى شعب تونس الشقيق.
** استمع لأغنية تونس الخضراء .. أغنية المقاومة التونسية ضد الاستعمار الفرنسي والخونة.. غناء هند صبري